Back Home (To the main page)

Souvenirs and books from Lebanon
 

Sections

About us

Contact us

 
 
SearchFAQMemberlistUsergroupsLog in
Conflict over the history of Lebanon

 

 
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
  View previous topic
View next topic
Conflict over the history of Lebanon
Author Message
admin
Site Admin


Joined: 09 Mar 2007
Posts: 504
Location: Jbeil Byblos

Post Conflict over the history of Lebanon Reply with quote
كتاب الصراع على تاريخ لبنان أو الهوية والزمن في أعمال مؤرخينا المعاصرين بقلم احمد بيضون - منشورات الجامعة اللبنانية

مقدمة


هل لبنان موجود؟ اقتضى منا تلمس جواب مناسب لهذا السؤال أن نجعل طريقنا الى الجواب المذكور سؤالا ً آخر: هل تاريخ لبنان موجود؟ من البين اليوم أن هذا الموضوع الأخير، أي تاريخ لبنان، مجزوم بوجوده رسميا ً وان الشك الذي يوحي به سؤالنا لم يعد ذا موضوع. ولكن القول بأن هذا الشك كان له أمس ما يبرره (وهو ما يتراءى من القول بأنه لم يعد ذا موضوع) كاف لحك جراح ما تزال حية. فهل يسع هذا التاريخ، بصفته موضوع معرفة (وانتماء) أن يكون سابقا ً لعقود معدودة هي تلك التس شهدت النزاع المتصل بوجاهته وهو يولد وينمو؟ وهل يتعين على لبنان نفسه أن يبقى غرض تنازع: يطعن هؤلاء في ماهيته المعلنة ويثبتها ويذب عنها أولئك؟

وذلك أن تاريخ لبنان ولبنان نفسه - وان بقيا موضوع نزاع - يكفيهما لتلوح لهما بوارق غد، أن يجمع المتجادلون فيهما على أن لوجودهما حقيقة ما. اذ لا يحتاج الشيء ليوجد وجودا ً أكيدا ً الى انتقاء التعارض ما بين الرؤى التي هو موضوعها. يكفيه أن تجد فيه هذه الرؤى موضوعا ً لها مشتركا ً.

فمنذ انشاء لبنان الكبيرسنة 1920، بقي تلفظ المؤرخ بعبارة "تاريخ لبنان" يغري بسؤاله عن حدود الحقل الذي يراه لذاك التاريخ. ترتفع أصوات مؤرخة أو غير مؤرخة - من أطراف الكيان الجديد قائلة: "ما ذاك بتاريخنا". وتقول أصوات أخرى "ما هو الا عنصر من عناصر تاريخنا الذي نرى له محورا ً آخر". أي محور؟.. كثيرا ً ما تماهت هذه الأصوات وقوى لم يتكون تاريخ لبنان، بحسب دعاته، الا في مواجهتها. هكذا بقيت الجماعات المتناوئة داخل لبنان الكبير يضع كل منها لفرادة تاريخه دائرة جغرافية وبعدا ً في الزمن خاصين به. ولما كانت خطوط الطول والعرض المتبناه كثيرا ً ما تختلف عن احداثيات لبنان الكبير، فتشط الى خارجه حينا ً وتتحصن في بقعة منه حينا ً، نشأت حركات تجاذب واستغراق ما بين التعريفات هي ظلال لتلك التي تهدد الكيان نفسه وهي أيضا ً عناصر منها. ومذ كان الحد الفاصل ما بين نظم التعريف التاريخية مطابقا ً، الى مدى بعيد، خط الانقسام الطائفي، مال "تاريخ لبنان" الى الظهور في حلل يغلب ما بين ألوانها اللون الطائفي أيضا ً. وكان هذا كافيا ً عند المتشككين في وجود ذلك التاريخ ليستقر في يقينهم ان التاريخ المذكور انما أسيئت تسميته.

والحال أن "مؤرخي لبنان" المعاصرين يربأون عادة بموضوع تاريخهم - أي لبنان - عن الظهور في صورة "المنطقة" (المندمجة حكما ً في وحدة سياسية أوسع منها). فهم لا يرونه الا "بلادا ً"، لتكون له صفة تشير عن كثب الى مفهوم الدولة. هذا والمعسكر الخصم يشاطر هؤلاء اقتناعهم بأن التاريخ الحق أن هو الا تاريخ الدولة. حتى اذا أثبت الخصم أن مركز دولته كان في "الخارج" (خارج لبنان) منح نفسه سلاحا ً مضمون التفوق. فهو بهذا يسترد "تاريخ لبنان" الى تاريخ تلك الدولة الكبرى. فلم لا يسترد لبنان نفسه الى حضن دولة كبرى مقبلة؟

اليوم يبدو ان هذه الحقبة من حقب المواجهة اللبنانية قد أمكن تجاوزها الى حد ما. الى حد كبير. صحيح أن الممارسات القديمة ما تزال تطل برأسها بين الفنية والفينة وتظهر عليها أحيانا ً أمارات حيوية متجددة. بل ان تمهيد تاريخ البلاد ليطابق - أو يكاد - تاريخ طائفة واحدة وليتخذ لنفسه مميزات هذا الأخير، بلغ، في هذا العهد الأخير، شأوا ً في التعصب الجلف لعله دليل عياء. لكن طوائف أخرى - أو مناطق انتشار طائفي - تدرج تاريخها في أفق مختلف عن السابق الذكر، لم تعد تجرد هذا الأخير من كل شرعية بل أخذت تنحو منحى التوفيق وطلب الاعتراف المتبادل أو قل منحى المزاحمة داخل الأفق نفسه. أي أن موضوع الجدل الذي كان مجزأ ً الى مواضيع متضادة، أخذ منذ حين يجمع تناقضاته على أرض مشتركة. حق ان حدود هذه الأرض ما زالت لا تحظى - وهي قد لا تحظى أبدا ً - بالاعتراف الاجماعي. ولكن يبقى حقا ً أيضا ً أنه لم يعد شائعا ً القذف بتاريخ الاخر في وجهه لاءقناعه بأن الخصومة وحدها كانت مشتركة، ولا عاد شائعا السعي الى تذويب الآخر في جوهر الذات الخاصة ردا ً لدعواه حيازة تاريخ خاص به. فلا هذا الموقف ولا ذاك - وهما لا يزالان واردين - يحظيان اليوم بما يكفي من التصديق ليردا الطائفة الاخرى - حين يستوليان على وجدان الأولى - الى تاريخ طائفي بحت. وذلك ان الدولة ماثلة الآن، أفقا ً تاريخيا ً للتواريخ الجزئية، ومصبا ً مبدئيا ً للتيارات المتنافرة التي يتشكل منها "تاريخ لبنان" وصمتا ً مخيما ً على خليط الأصوات المختلفة، خليط التعارف والنكران.

وهل ترانا نجاوز الحد عندما نعين للدولة هذا الموقع المكين - مدعين تبينه خلال المواجهة ما بين أعمال لمؤرخين لبنانيين معاصرين - في وقت تبدو الدولة فيه وأجهزتها على شفا هار ويظهر كم هي كبيرة على الكيان نفسه أخطار المنافسة التي تتعرض لها الدولة من جانب الأجهزة السياسية الخاصة؟ وهل ترانا نقع في الاغراب عندما نزعم أن الحرب الأهلية التي ما نزال نعاني مناخها وطفرانها، كشفت بمجرد ارتسام الحدود السياسية للتناقضات التي اعتملت خلالها بكل هذا العنف، عن توطيد الرغبة العامة في انقاذ حدود 1920؟ هذا التوطد نحسبه حقيقيا ً بالرغم من بادرة الانكماش المارونية بين 1975 و1976، وهي التي ما لبث استمرار العزوف الدولي عن التفريط بتوازن النظام الاقليمي أن سد أمامها الأفق. فقد بدت الدول الكبرى راغبة في احتواء التوترات المخلة بهذا التوازن وان هي لم تتورع عن تغذيتها في مواضع محصورة. نحسب التوطد الآنف الذكر حقيقيا ً، ولكن صمود حقيقته رهن بأمر (سيظهر مدى امكانه) هو أن تكون للبنانيين الكلمة الأخيرة، لا بصدد نظامهم السياسي المقبل وحسب، بل أيضا ً بصدد وحدة أرضهم الوطنية. ومهما يكن من أمر فان كتابة مؤرخي لبنان المعاصرين تقدم - كما سنرى - أدلة مختلفة على حقيقة هذا المسار - وهو مسار متردد لا زالت تقطعه النكسات ويعوزه التراص - نحو ما نسيغ تسميته وجدانا ً وطنيا ً.

فلبنان موجود اليوم، في نظر أفرقة الداخل جميعا ً، بمجرد اعتباره مدار الحرب الدائرة بينها. وماضيه الذي كان مستعيدوه - في ما مضى - يتنافسون في التصاد - أخذت تزداد رسوخا ً لاستعادته اليوم، صفة التاريخ "العام" وصفة الأفق المشترك ضمنا ً لتواريخ جزئية ما كانت تحلم بلقاء. كيف أمكن التحول من نكران كان التجاهل المطلق حده المثالي نحو اعتماد صعيد للصراع الداخلي ومدار مشتركين؟ منذ عهد ليس ببعيد كان الموقف الذي يصح، مع التحفظ، نعته بالاسلامي حيال تاريخ لبنان يتمثل في الاشاحة عنه أو في "ضمه"، وهما، في نهاية الأمر، سيان. في الجانب الآخر كان الفريق الذي يصح، مع التحفظ أيضا ً، نعته بالمسيحي، ينزع الى ابقاء الاسلام على حدود التاريخ اللبناني والى تجريد مناطق لبنان الحالي ذات الأكثرية المسلمة من الحق في أن تكون لها تواريخ تتعرف على مراكزها في ذواتها أو تجد هذه المراكز - على الأقل - في خارج العلاقات التي اتفق لها أن نشأت بين المناطق المذكورة وجبل لبنان. هذا ولم يحصل التغير النسبي الذي أشرنا اليه في المواقف دفعة واحدة. بل اتخذ حصوله طرقا ً متعرجة هي التي نحاول ترسمها باستنطاق النصوص ومقارنتها.

لماذا اخترنا طلبا ً للتعريف بمواقف يتجاوز حقل التعبير عنها بكثير نطاق الكتابة التاريخية أن نخضع للتحليل المقارن أعمال مؤرخين؟ السبب بسيط. وهو أن المؤرخين، وان خضع كل منهم، في تنازع الهويات الذي وسم هذا الحصر من تاريخنا، لمقتضيات انتمائه، قد ظلوا أقل رضوخا ً من الساسة المأخوذين مباشرة بتقلبات الحال، لمقتضيات تبدل المحالفات وتغير الظروف. وهم أيضا ً أقل أكتراثا ً لاحلال التماسك الواعي بين مقدمات فكرهم من الذين يتخذون الفكر الاجتماعي موضوع حرفة، فيتفرعون لصناعة المبادىء والمذاهب. أما الفرضيات "اللاوعية" التي يعرف بها الانتماء فهي، في النص التاريخي، تتخلل نسيج الحكاية، الا أنها تبقى قليلة التأثر بواقع الحال وأكثر اهتماما ً بصورة الجماعة منها بتماسك النظام المجرد الذي يتشكل منها هي.

في أي حال، لم نتردد، حيثما كان علينا سد ثغرات في المدونة التاريخية أو التثبت من تمثيل المروخ لجماعته، في اللجوء الى نصوص اخترناها من دائرة الكتابة السياسية والأيدلوجية. ولكن استخدامنا هذه النصوص الأخيرة تراوح بين التلميح الخاطف والتحليل المقارن المتكامل الجوانب.

هذا وقد كانت حفاوتنا بالنصوص تابعة لقيمة كل منها من حيث هو شهادة. واعتبرناها، في ما عدا ذلك، متساوية مهما اختلفت قيمها من وجوه أخرى. ولم نقم اعتبارا ً، على التخصيص، لقيمة النص العلمية كبرت أم صغرت. بل اننا وجدنا الموضوعية - بمقدار ما يصح هذا اللفظ على بعض مقاربات المؤرخين - أو وجدنا الصرامة العلمية - ان آثرنا هذه العبارة - نامة هي الأخرى على انتماء اجتماعي - أيدلوجي. فهي تصدر عن موقع سنرى كم هو هامشي في مجتمعنا، وهي عاطلة بالتالي من هالة "الكلية" التي تزينها عادة في الغرب. فأمكن أن نرى في الموقف العلمي أيضا ً شاهدا ً على شروط امكانه الاجتماعية - الأيدولوجية ودليلا ً الى مكان لا امتياز له وان يكن خاصا ً، تفرده له التشكيلة الاجتماعية اللبنانية.

غني عن البيان، من جهة أخرى، أن هدفنا نحن ان يكون الا في ما شذ من الحالات، التوصل الى "الحقيقة العلمية" في صدد المسائل التي نتخذها أمثلة. لن نستنكف كلما وجدنا في الاشارة خدمة لأغراضنا، عن الاشارة الى نقائص مبينة يقع فيها بعض المؤرخين: اغفال وثيقة مهمة عمدا ً، على سبيل المثال، أو التلاعب المغرض بالمصادر أو ترجيح فرضية لا يبرر ترجيحها غير مآرب الكاتب الذاتية حيث تعرض فرضيات لا تقل قوة عن الأولى، أو القطع بصحة ما هو محتمل وحسب، في حالات، أو مشكوك جدا ً في صحته، في حالات أخرى. الخ... ولكن هذا النوع من الهموم النقدية يبقى ثانويا ً في الاطار الذي رسمناه لنظرنا هنا. فحين نقابل روايات عدة لحدث واحد أو تقويمات مختلفة لعمل واحد أو لشخصية واحدة، الخ... فانما نحصر جل همنا في ادراج وجهات النظر التي نقع داخل جدل أشرنا الى أنه يتجاوز نطاق الكتابة التاريخية ليتناول هوية لبنان والمكانة التي احتلتها في الماضي (و "استحقتها" بالتالي في الحاضر) كل من الجماعات المتنافسة ضمن المجتمع اللبناني المعاصر. والتنافس الذي نلمح اليه هو، على وجه التحديد، ذاك الذي يدور حول الهوية. هذا ولا تفصح وجهات النظر المعنية عن مدى "تمثيلها" لمواقف الجماعات الا ضمن المجادلة العامة (وليس اذا جرى تفحص كل منها على حدة). كذلك لا بد من اعادة كل عنصر من عناصر الموقف الى صورة الموقف العامة، ليتاح تأويله ولتجد العناصر صورة ما - تتغير من حالة الى أخرى- من صور التوافق. فان الحكم الواحد قد يتخذ، اذا ما أدرج في وجهتي نظر مختلفتين، فيمتين متضادتين، بل مختلفتين.

واذا كنا عكفنا على مدونة تلبس فيها الصياغة الأيدلوجية عادة قناع الحكاية وتفعل بدورها في صورة هذه الأخيرة بعلم من كاتبها أو بلا علم منه، فاننا قد وجدنا عوضا ً أكيدا ً عن صعوبة هذا التناول في جدته وفي بعده عن السبل الممهدة والصور المكرورة، المألوفة في الأدبيات السياسية. فنحن سعينا الى تجنب الجري مع صورة الماروني "الانعزالي" وصورة الشيعي "المحروم" أبدا ً وصورة الماركسي - اللينيني الذي لا تأتيه عصبية الطائفة من خلفه ولا من بين يديه، الخ... لا مراء في أن لكل من هذه الصور نصيبها من الصحة، وأقله فعاليتها من حيث هي أساطير. ولكننا نمتحنها هنا في غربال الروايات. يقتضي منا ذلك أن نحمل مضمون الرواية الأيدلوجي على محمل الجد المطلق. فنستخلص من الروايات - بعد معاناة التحليل - أحكاما ً ومواقف وصورا ً، الخ... كان يسعنا أن نعاينها دون أدنى جهد في صنوف أخرى من الكلام، مكللة بغار اليقين الأيدلوجي. غامرنا بالتعرض لتهمة العبث اذن حين جهدنا في تحصيل الحاصل أحيانا ً ولم نقم وزنا ً الا لما وجدناه فاعلا ً في تشكيل الكلام التاريخي من رغبات توزع الظلال والأضواء وصمت بليغ وعدوانية تكبح أو تتفجر وهموم سجالية تتحكم في المواقف من الوثائق، الخ... هذه العوامل وسواها تنم في رأينا، بأفعالها وبتفاعلاتها، عن القيم اللصيقة بالأفكار وعن تراتب الحوافز التي تحمل المنظومات الفكرية. وأملنا أن الصورة العامة التي كونها هذا البحث (بمعيني التكوين: الاحداث والتنظيم) جاءت بعيدة عن أن تكون مجرد ركام من الأفكار المبتذلة.

أما الخطة التي اتبعناها فهي ترمي، بذهابها من البسيط الى المركب، الى الاحاطة بالنماذج الرئيسة للمواقف حيال لبنان، في جملة وجوهها. لبنان: أي البلاد والشعب والمجتمع والدولة. والحق أن هذه الألفاظ جميعا ً، بما هي تشير، من زوايا مختلفة، الى وحدة هي، في الحالة اللبنانية، موضع الاشكال - ان لم نقل انها موضع الشك - لا بد من معاطاتها بمزيد من الحيطة. فان تحديد مدى انطباقها على "الكيان" اللبناني هو غاية بحثنا هذه الغاية تبرر سؤال البداية: هل لبنان موجود؟

والخطة بسيطة على وجه الاجمال:

أولا ً:
مسألة الأرض في ضوء النزاع بين ماصدقات الأسماء الدالة على مناطقها المختلفة. وهو نزاع يدفع الى النظر في صحة الصفة "الكلية" للاسم "العام" (لبنان) أي في صحة استواء هذا الاسم في ما فوق المناطق. ونحن ننظر في مسألة الأرض أيضا ً في ضوء التنافس القائم بين الجماعات المقيمة عليها حول ما لها من "حقوق تاريخية" على هذه المنطقة أو تلك. يؤول هذا النظر الى اظهار تراتب المناطق في لبنان الحالي من حيث القيمة المنسوبة الى كل منها والى اظهار طبيعة العلاقات الرمزية التي تنعقد أو تنحل بين هذه المناطق (مرصودة في تطورها على امتداد عصرنا) فنراها تارة علاقات تضام وطورا ً علاقات تنابذ، تارة يحكمها الشعور بالنقص وطورا ً الشعور بالتفوق، تارة يطبعها طابع التنافس وطورا ً طابع التجاهل، الخ...

ثانيا ً: صدام الأصول المتنافسة، منظورا ً اليه من خلال خرافة أصل واحد، تحضر اليها الأصول الأخرى، دون صعوبة، بتوسط أخيلتها المتراقصة في مرايا التماهي والتخاصم. وفي كل حالة تساءلنا عما اذا كان الحد المقدم للأصل الخاص يدع مجالا ً لتجربة مشتركة، وعن طبيعة هذا المجال وهوية الآخر (أو الآخرين) الذي (أو الذين) يفترض أن يجده (أو يجدوه) مفتوحا ً أمامه (أو أمامهم). ثم ان استطرادا ً أتاح لنا أن نتوصل (عبر عودة الى مسألة الأرض التي يرى فيها البعض أصلا ً مشتركا ً) الى طرح جزئي لمشكلة الزمن. فبدت قيمة الزمن ووتائره (التي يزعم انها وسمت مجرى الماضي) متصلة أوثق الاتصال بتصور الهوية.

ثالثا ً: مثال المجتمع (المنصوب معيارا ً ضمنيا ً يعرض عليه المجتمع التاريخي) وهو متجاذب بين الرغبة في الحفاظ على سلامة صورة الجماعة والالزام بالحداثة الذي جاءت به هيمنة الغرب المحدثة. هذه الهيمنة تبرز فعالية الزمن الاجتماعي التي ينحو فكر الهوية نحو انكارها. ونحن نستعرض في فصل شاسع (هو الثاني من القسم الثالث) مشهد مجتمع تتشبث به جماعاته بتضامنها الطائفي ولكنها ترفض تقبله ناموسا ً لانتظام تشكيلتها الاجتماعية (التاريخية ناهيك بالحاضرة) ولتضعضعها. عوض هذا التقبل تجتهد الجماعات المذكورة في استرداد الآثار السلبية لهذا التضامن ومنحها صورة ايجابية (ملائمة لمقتضيات الحداثة) توضع مسؤولية افسادها على عاتق الخارج. هكذا يبقى فكر الهوية مسحوقا ً تحت وقع الأنموذج المجلوب ومأخوذا ً، في الوقت نفسه، بهم حماية الجماعة التقليدية من المنافسة. قيبقى عاجزا ً عن الاعتراف بنمط التنظيم الاجتماعي التقليدي في وضعيته التاريخية، ويبقى عاجزا ً، من الجهة الأخرى، عن اصطناع المسافة اللازمة للنقد (انطلاقا ً من هذا الاعتراف) بينه، من حيث هو فكر، وبين المجتمع الموسوم ب "الحديث" من حيث هو موضوع. ثمة اذن معياران متعارضان وغير متكافئين، من حيث الصلاحية، يتجاذبان صورة المجتمع (مجتمع الماضي ومجتمع الحاضر) فيبقيانها، في نهاية الأمر، خارج متناول التفكير.

رابعا ً: الدولة أخيرا ً، وهي المرغوب. و المرهوب. فهي العبارة الأولى عن المجتمعات التامة النمو. وترى فيها الجماعات اللبنانية آخر دور من أدوار تبلور الهوية الجماعية. فمن استحقها، خلال التاريخ، أجاز لنفسه، في بعض الحالات والظروف، أن يدعي حقا ً أصيلا ً في الاستقلال، أو، في حالات وظروف أخرى، أن يطلب لنفسه مكانا ً أفضل في الكيان السياسي الراهن. ولما كانت "السوابق" التي يتذرع بها عادة ً غير حائزة اجماعا على صفتها هذه، فانها تصلح، في نظر الرافضين، منطلقا ً لمناهضة الهيمنة السياسية الملازمة لبنية الدولة اللبنانية المعاصرة. في جميع الحالات يتبدى مثال الدولة تجسيدا ً لهوية وطنية يتوق اليها الأفرقاء ولكن كل فريق يجهد ليستنقذ منها (أحيانا عبر محاولة الاستحواذ عليها) هويته الخاصة. لذا كان مثال الدولة هذا دائم الانخراط في جدل مزدوج: أ- جدل المفارقة والحلول أو جدل الوحدة والتعدد أو- بعبارة أقل تجريدا ً - جدل الضبط والتعبير. ومدار هذا الجدل تحديد مكانة الدولة حيال تشكيلات المجتمع الأهلي اللبناني مع استحالة هذه الأخيرة الى فئات سياسية. أيكون على الدولة اذ ذاك أن تستوي مرجعا ً منفصلا ً عن هذه التشكيلات أو أن تظل مرآة لتنوع التشكيلات المذكورة؟ هذا السؤال يتناول طبيعة النظام السياسي. ب - جدل الكلي والجزئي، وهو الهيئة التي يتخذها الجدل الأول متى نظر اليه من زاوية الانقسام الحاصل في المجتمع الأهلي. فالدولة هي مدار ذاك الانقسام اذ تستهدفها حملات الأطراف الأهلية التي يسعى كل منها الى بسط ظله عليها. هذه المسألة التي لا تعود الدولة تواجه فيها المجتمع الأهلي، جملة، بل تجد في مواجهتها أفرقاء هذا المجتمع واحدا ً واحدا ً، هي مسألة الوجدان الوطني.

نطرق كلا ً من هذه النقاط مستندين الى مجموعة مختارة من نصوص المؤرخين قوامها "تحليلات" و"روايات" - ونحن نؤثر هذه الأخيرة - مكرسة لموضوع واحد. ولا نعنى الا بنصوص الحقبة المعاصرة التي جعلنا بدايتها، تحكما ً، حول سنة 1900. أما المصادر التي ترقى الى زمن أبعد فتنحصر استفادتنا منها في عرض أقوال كتابنا المعاصرين عليها للتعرف الى اسهامهم الخاص ولعزل ظواهر الخروج ذات الدلالة. بل ان لائحة الآثار المعاصرة التي نستخدمها هي نفسها غير شاملة. هي تضم النصوص التي بدا تفحصها مفيدا ً للاحاطة بالمواقف حيال القضايا المطروحة. لذا استبعدت منها آثار لا نفتئت على قيمتها في حد ذاتها، ولكن مطالعتها لم ترشدنا الى سبيل مختلف. رغم ذلك بقي اتساع هذه اللائحة استثنائيا ً، وجاء استثنائيا ً، بخاصة، عدد النصوص المخضعة لتحليل مفصل ( لا المستخدمة استخداما ً عابرا ً).

وتنتظم تحليلات كل من أقسام البحث وفاقا ً لترسيمة مرنة تزاوج ما بين الرؤية التعاقبية (أي اعتبار توالي الآثار في الزمان تواليا ً متصلا ً بمراحل التطور الاجتماعي - السياسي) والرؤية التواقتية (أي اعتبار مروحة الاتجاهات المعبر عنها بصدد الموضوع المطروح). وقد كان علينا أن نسد ثغرات في المدونة التاريخية التي كوناها على هذه الشاكلة، نجمت، بخاصة، من أننا لم نتوقف الا عند الأعمال المتصلة بتاريخ لبنان، فيما تحدد بعض الاتجاهات الأيدلوجية نفسها، جزئيا ً على الأقل، بالاشاحة عن التاريخ المذكور. وضعنا هذا التباين أمام اغراء المخاطرة بكسر وحدة المقاربة التي نعتمد أو - على الأصح - بكسر مسرح التحليل. فآثرنا - اجتنابا ً لذلك - الاشاحة بدورنا عن أغراض تقع خارج التاريخ اللبناني ويشعر بعض مؤرخينا - بحكم انتماءاتهم - بأنهم حيالها في بيئتهم المثلى. جانبنا هذا الخلل اذن باعتماد نصوص "أيدلوجية" (وقد أشرنا الى ذلك) منصبة مباشرة على الاشكال الأسدلوجي الذي يحكم النصوص التاريخية مداورة. هذا ونحن نقدم، في حينه، ما يلزم من ايضاحات عن حالة المراجع المتصلة بكل من المسائل المطروقة. ونبرز في سياق البحث أيضا ً مظاهر الخلل في المدونة المعتمدة من حيث توزيع موادها سواء بين تلك المسائل أم بين أطراف الجدال.

أما اختيارنا الأمثلة التاريخية التي نسند الى كل منها معالجتنا لمسألة من المسائل المحصاة أعلاه، فتسوغه جزئيا ً الصلة التي يقيمها المؤرخون أنفسهم بين الموضوع التاريخي والمسألة المذكورة (مثلاً: بين فخر الدين المعني الثاني ومسألة الدولة) وتسوغه أيضا ً المكانة الممتازة التي يحتلها في مخيلة مؤرخينا المعاصرين كل من هذه المواضيع (خراب كسروان بأيدي المماليك سنة 1305؛ الحقبة المردائية؛ "حركات" القرن التاسع عشر؛ أخيرا المعني الكبير). ولكن التسويغ الحقيقي لاختيارنا تلك الأمثلة لا يمكن أن يكون الا بحصيلة الدراسة نفسها.

هذا وان اختيارنا "الأمثلة" التاريخية المشار اليها هو ما فرض أسماء الكتاب الذين تفحصنا نصوصهم. ولا يصح العكس. هؤلاء الكتاب لا يقتصر تنوعهم على صعيد الأصول (الطوائف، المناطق، الطبقات) بل ان جماعتهم هي أيضا ً خليط من حيث أساليب الاعداد التي يتوزعون عليها. فبينهم من يريد نفسه ملتزما ً بمعايير المنهج وبالموضوعية المميزة لكتابة التاريخ الأكاديمية... وبينهم من يتصل، على العكس من أولئك، بتراث "الحوليات" المحلية، وان على شيء من التعديل في الطريقة. ولكن هذا الاختلاف في القوالب والأدوات المنهجية لا يؤول الا في ما ندر الى اختلاف ذي بال في درجة الاستجابة لأوامر الأيدلوجية ونواهيها. لم نهمل الاشارة، بالطبع، الى الحالات التي يبرز فيها مثل هذا الاختلاف الأخير. ولكن لم يكن في وسعنا الا أن نلاحظ استغراق الأيدلوجية لكلام مؤرخينا، على وجه الاجمال. ذاك ما حملنا على اعتماد النصوص التي اعتمدنا في لائحة مراجعنا بناء ً أ- على مناسبة مداراتها لواحد من "الأمثلة" التاريخية التي ندرس؛ ب- على نظام الفوارق الأيدلوجية الذي يندرج كل من هذه الأعمال فيه بالنسبة الى أعمال أخرى.

هذا القيد المزدوج فرض علينا أن نحل بعض الوجوه من مؤرخينا المعاصرين محلا ً في مراجعنا أضيق من ذاك الذي يستحقه اسهامهم. واذا لم يكن بد من ذكر أسماء، على سبيل المثال، فلنشر الى أن جورج أنطونيوس وأسد رستم وزين نور الدين زين قد خلفوا أعمالا ً ذات شأن ولكنها تكاد لا تتناول بشيء المواضيع التاريخية التي كونا انطلاقا ً منها ثبت مراجعنا. لذا لم نعرج عليها الا لماما ً.

هذا الى أن بعض الأسماء تظل تتردد من أول هذه الدراسة الى آخرها. تفرض ذلك مقاييس الانتخاب التي أوضحنا، وهي تفرض أيضا ً أن تسقط أسماء أخرى بعد مرحلة من سياق البحث طويلة أو قصيرة وأن لا تظهر أسماء أخيرة الا بعد انتظار. ترزح من جراء ذلك على مجمل العرض أخطار تقطع نداريه باللجوء الى نمذجة المواقف، مبتغين منها شيئا ً من التماسك لكل قسم من أقسام البحث وتكاملا ً من قسم الى آخر لمختلف الوجوه في كل من هذه المواقف المنمذجة. وتيسر استعادة الخلاصات تكرارا ً هذه المهمة التي يفرضها أن المدونة المفحوصة موزعة أصلا ً على المواضيع لا بين الأسماء.

أمر آخر. هو أن بحثنا مركز على كلام المؤرخين. فلانتنناول الا على سبيل التنبيه ودونما تشديد آثار الماجريات التاريخية العامة في توجيه المؤرخين. توجد احداثيات للأعمال ولأصحابها لا مناص من ذكرها بطبيعة الحال. ولكننا لا ندعي أبدا ً بسط تاريخ لبنان المعاصر، السياسي - الاجتماعي بموازاة اللوحة التي نرسمها لانقساماته الأيدلوجية.

فالتاريخ الذي نقدمه هنا هو تاريخ مواقف أيدلوجية ترصد تجلياتها في الكلام التاريخي نفسه. ليس هذا التاريخ اذن - بالدرجة الأولى - تاريخ الأيدلوجية من حيث هي وظيفة لهذا الكلام أو رسالة يتولى ابلاغها. انما الأيدلوجية هنا هي ما يعمل في تشكيل الكلام نفسه، راسما ً لعناصر هذا الأخير نسق توزيعها، محددا ً لحظات الصمت ولحظات المباسطة، قادرا ً الميول المتنازعة في الكلام وحصيلتها... الخلاصة أننا حين نتناول الكلام التاريخي، نرمي الى بناء صورة لهيكله
الحميم (وهو هيكل كثيرا ً ما يكون مكشوفا ً)، صورة تستعيد خطوط فكر يغص بلعاب الرغبة.

هذه الاشارات - في ما نرى - كافية. فليس لزاما ً على كل تحقيق جديد أن يعيد صياغة الخطاب في المنهج. واذا كنا نقدم، في هذه الصفحات الأولى لبحث يدور على مواجهة أيدلوجية بعينها، فاننا لا نجد المناسبة مغرية بتلفيق نظرية عامة جديدة للأيدلوجية أي - ان جازت العبارة - باعادة صياغة الأيدلوجية الألمانية. عندنا أن الأيدلوجية هي النظام الصوري الذي يمنح الممارسة الفردية أو الجماعية بعدها الذاتي، وانها، بهذه المثابة، قوة وضعية تدفع أو تكبح، الى كونها قوة تنظيم أيضا ً. واذا هي لم تنفرد بتعيين الأهداف فهي تنفرد بتقدير القيم. بل هي نفسها نظمة قيم عامة متصلة بالعمل. هي اذن قوة وضعية فلا يسوغ اعتبارها من باب الخدعة ولا مفر لكل صورة عمل أو تنظيم بشرية من ترسم أيدلوجية. واذا بقيت الممارسة الجماعية (وحتى الفردية) غير جلية الصورة، فان ذلك لا يرد، بالدرجة الأولى، الى الغشاوة التي تلف بها المصالح بصيرة المتأمل، بل الأولى أن يرد الى جزئية الموقع الذي يحتله المشاهد بالضرورة. أي أن النشاط الأيدلوجي في كل مجتمع يتقدم الى وعينا في صورة نظم جزئية (لكل منها فعاليته الخاصة) فلا يتاح للوعي الاشتمال عليها في صورة منظومة واحدة. وذلك ان هذا الاشتمال يقتضي أن تدخل الحياة الاجتماعية برمتها في نظام مرئي. والحال أن الانسان ذا العين الالهية القادر على حمل هذه المهمة ما يزال غير موجود. بل ان الحلم المستقبلي بمركز مطلق يتسنى لمحتله أن يراقب جملة هذا النسيج من اللبس والتناقضات الذي هو حياة المجتمع، سوف يبقى - لحسن الحظ، على الأرجح - مجرد حلم.

كان علينا اذنأان نمضي في اعداد هذا البحث دونما برج للمراقبة. ولم نكن بمنأى عن الصراعات الأيدلوجية. أما الرياضة التي انتوينا الخضوع لها فكانت غايتها أن تقربنا من حال طالما أسفنا لبعد معظم مواطنينا عنها. هذه الحال هي تلك التي تقيم العلاقة بالتاريخ على الحرية.
Sun Sep 10, 2017 6:37 pm View user's profile Send private message Send e-mail Visit poster's website
Display posts from previous:    
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
   
Page 1 of 1

 
Jump to: 


 
 
  Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright © DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved

Advertise | Terms of use | Credits