Back Home (To the main page)

Souvenirs and books from Lebanon
 

Sections

About us

Contact us

 
 
SearchFAQMemberlistUsergroupsLog in
Fuad Salim

 

 
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
  View previous topic
View next topic
Fuad Salim
Author Message
admin
Site Admin


Joined: 09 Mar 2007
Posts: 504
Location: Jbeil Byblos

Post Fuad Salim Reply with quote
المجاهد فؤاد سليم - 1894 - 1925

عرفت الأمة العربية عبر تاريخها كثيرا ً من الحروب والأزمات والكوارث، كما مرت في ظروف قاسية ومحن فظيعة، هزت كيانها في الصميم، وزعزعت كثيرا ً من معالمها ومقومات وجودها، وهددت حياتها في أحيان كثيرة؛ لكنها، رغم كل هذه الأهوال، بقيت كالقصبة في مهب الرياح، تنحني ولا تنكسر؛ ذلك لأنها، في المقابل، خلقت أفذاذا ً من الرجال والقادة، خرجوا من رحمها أوفياء ومخلصين لكل ما يمت الى تراثها وتاريخها وحضارتها ومستقبلها بصلة... يبدون وكأنهم "تفبركوا" في عرينها ومصنعها، تماما ً كفبركة الآلة التي صنعت لتقوم بدورها كاملا ً غير منقوص، وتؤدي واجبها على أكمل وجه... وبالفعل، كان هؤلاء الرجال بمثابة حبات اللؤلؤ في عقد هذه الأمة، يطوقون جيدها بكرامة واباء، لتبدو بكامل أناقتها وعزتها في ساعات الامتحان... ولم يكن المجاهد فؤاد سليم الا أحد هؤلاء الرجال الأفذاذ من القادة الكبار، هوى في ريعان الشباب، ولما يتجاوز الواحد والثلاثين ربيعا ً من عمره، فكانت خسارته جسيمة على الوطن والأمة والثورة والقضية، تماما ً كما كانت على جميع عارفيه ومحبيه ورفاقة الجهاديين. وبالمقدار نفسه، كانت فرحة الانكليز والفرنسيين كبيرة بموته لأنه كان كابوسا ً ثقيلا ً على صدر الجنرال غورو وهربرت صموئيل، خاصة، وعلى الانتدابين: الفرنسي والبريطاني، بشكل عام.

ولد فؤاد سليم في بلدة "بعقلين" في منطقة الشوف، يوم 11 تشرين الثاني 1894. كان والده يوسف، الطبيب الرسمي لقضاء الشوف، وهو أول طبيب درزي يتخرج من الجامعة الأميركية في بيروت، وهو من قرية "جباع" الشوفية؛ ولذلك، فقد كان - بحكم وظيفته - كثير التنقل في مراكز القضاء، مما أوجب على ولده فؤاد أن ينشأ ويترعرع في أرض الجبل، تغذي فيه روح الحرية والمحبة والألفة والتضحية، الى جانب صفات الشهامة والكرم والوطنية.

دخل فؤاد في سن مبكر مرحلة التعليم الابتدائي في مدرسة "المعلمة هيلانة" في صيدا، ثم في مدرسة المعلم طانيوس سعد في الشويفات، والمدرسة الداوودية في عبيه، ثم دخل الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه لم يمكث فيها مدة طويلة لاصابته بحروق مؤلمة في رجليه حالت دون عودته الى الكلية.

بعد ذلك، ألحقه أبوه في مدرسة "المعلم جرجس طعمة" بالمختارة، حيث أتقن اللغة الانكليزية، ثم انتقل الى الكلية العثمانية التي كان يديرها الشيخ أحمد عباس الأزهري، فعين بها مدرسا ً لمدة سنتين، ثم انتقل بعدها الى مدرسة "بسكنتا" فدرس فيها سنتين أيضا ً.

والملاحظ، أنه منذ شبابه الأول يميل الى الشعر والكتابة، ويحلم بعمل عسكري كبير؛ فالخلق العسكري، والتخطيط العسكري، برزا معه منذ طفولته زعيما ً على أولاد الحي (كما يقول زوج شقيقته عجاج نويهض في مذكراته عنه).

وعندما وقعت الحرب العالمية سنة 1914، كان فؤاد سليم يعمل مديرا ً لمدرسة بسكنتا. وعندما أعلن الشريف حسين بن علي الثورة في 10 حزيران 1916، كانت أسرة فؤاد تقيم في بلدة "شحيم" (اقليم الخروب)، كما كان المرض قد وهن بوالده الطبيب، فحار فؤاد في كيفية اقناع والده بمغادرة البيت والانتماء الى الثورة، باعتباره كبير اخوته، ومعقد الآمال لأسرته.

كانت شقيقته أنيسة، وهي تقاربه عمرا ً، وتشاركه الروح النضالية الوثابة (وقد تزوجت فيما بعد من رفيق أخيها في النضال، وتوأم روحه، وأحد كبار المناضلين الأعلام في فلسطين تحت الانتداب، وهو صبحي الخضراء) تسهر مع فؤاد وهو يشكو لها همومه، وعدم رغبته في اغضاب والده، في الوقت الذي كانت تدرك فيه مشاعر

والدها الطبيب وخوفه من خسارة الابن الأكبر في أتون الحرب العالمية. غير أنها تمكنت أخيرا ً من اقناع والدها. أما والدتها، وهي التركية الأصل، وابنة علي غالب باشا من كبار موظفي الدولة الأتراك، فقد تفهمت دوافع ابنها الى الانضمام الى الثورة، وشاركته الرأي في ضرورة الانتفاض على الظلم.

والواقع، أن خوف الوالد على ولده، دفعه الى أن يقول له عند وداعه "ما أخالني أراك يا فؤاد بعد اليوم". لكن فؤاد سليم ودع عائلته متوجها ً الى شرق الأردن، حيث كان مقر الأمير فيصل. وقبل أن يخترق الصحراء السورية الى "القريات" ومنها الى "العقبة" و"معان"، حل ضيفا ً على أقربائه من آل سليم في قرية "المجيمر" في جبل الدروز (الذي سمي فيما بعد ب "جبل العرب") . وقد تعرضت القافلة التي رافقها من سوريا الى شرق الأردن لمجابهة عصابة من اللصوص الأشقياء، فاستولوا على كل ما كان لديه، حتى الساعة في معصمه. فلما وصل الى معسكر الأمير فيصل، وصل أغبر الثياب منهكا ً، فحار رجال الأمير في أمر هذا القادم المغبر، وحسبوه جاسوسا ً تركيا ً. لكن سرعان ما عرفه طبيب الأمير فيصل، وهو لبناني من أصدقاء والده فأزال الشكوك من حوله.

في هذا الاطار، كتب الأستاذ سليمان موسى في كتابه "صور من البطولة" (الذي صدر في عمان سنة 1968) يقول: "اشتبه الأمير فيصل بأمره في بادىء الأمر، وخشي أن يكون عينا ً للعدو، ولكن الدكتور ثابت الذي كان يعمل مع الثورة عرفه وكان صديقا ً لأبيه، فاطمأن فيصل وألحقه بعمل كتابي في قيادة الجيش. على أن فؤادا ً جاء الى القائد المسؤول بعد بضعة أيام ليقول له انه لا يطيق البقاء بعيدا ً عن المعارك، وأنه لم يأت من لبنان لكي يقنع بالبقاء في الخيام، عند ذلك حقق القائد أمنيته فألحقه بمفارز التدمير (تخريب الجسور) التي كانت منتشرة على طول سكة حديد الحجاز، وعهد اليه بتدمير الجسور ونزع القضبان الحديدية، وزرع الألغام لنسف القطارات العسكرية".

ويتابع الأستاذ سليمان موسى قائلا ً: "وأبلى فؤاد خلال عامي 1917-1918 بلاء ً عظيما ً في المعارك الشديدة التي خاضها جيش الثورة في ميدان شرقي الأردن، وذاعت وقائع مغامراته البطولية فرقي الى رتبة (رئيس) وتولى قيادة احدى مفارزالتدمير. وعندما تألفت الحكومة السورية المستقلة بدمشق بعد هزيمة الأتراك بقي فؤاد ضابطا ً في الجيش، ولكنه أبى الا أن يستمر في طليعة المجاهدين بعد أن ظهرت سياسة الفرنسيين الغادرة. واشترك فؤاد في المعركة الجديدة بمثل العزيمة والمضاء يوم اشترك في المعركة التي سبقتها ضد الأتراك، وساهم مساهمة فعالة في قيادة فصائل الأنصار ضد الغزاة الفرنسيين في منطقة البقاع.

وفي معركة ميسلون تنادى أحرار سوريا في وجه جيش الجنرال غورو، وكان فؤاد سليم في طليعة الضباط البواسل الذين صمدوا عندما حمي وطيس القتال، وقد ثبت ساعة التقهقر بعد أن قتل يوسف العظمة البطل الشهير. وعز عليه أن يترك الطريق مفتوحة في وجه الغزاة. وأخطأه رصاص العدو وكاد يؤخذ على حين غرة، فنجا بأعجوبة، وارتد عن ميدان القتال وهو يحدث نفسه بجولات أخرى في مناجزة المستعمرين". وعلى هذا الأثر، فقد كان أمرا ً طبيعيا ً أن يكون في أوائل من حكم عليهم الجنرال غورو بالاعدام. كيف لا، وكان فؤاد سليم قد اختير رئيسا ً لتجمع الضباط الأحرار في الجيش الفيصلي، عام 1917، وأحد القادة المؤسسين للحكم العربي في دمشق 1918-1920؟.

لم يجد فؤاد سليم ازاء هذه المستجدات، الا مغادرة دمشق الى عمان، حيث أصبحت "مكان تجمع" لأحرار سوريا (بعد دخول المستعمرين الفرنسيين دمشق)، حيث كان من بينهم صفوة من المناضلين العسكريين أمثال سعيد عمون، وحسيب ذبيان ، وصبحي العمري، وعمر لطفي ، وعمر فوزي، وجميل المدفعي. وفي شرق الأردن، تبرز مواهب فؤاد سليم العسكرية والتنظيمية. وهو يعتبر من كبار مؤسسي الجيش العربي الأردني. اذ عندما ألف الأمير عبد الله امارة شرقي الأردن (بالاتفاق مع الانكليز) عين فؤاد قائدا ً لكتيبة الفرسان،ثم تولى وظيفة رئيس أركان حرب في الجيش العربي، وهو المنصب الثاني في الجيش بعد القائد البريطاني "فريدريك بيك باشا" (وهو من ضباط الحرب العالمية الأولى)، الذي عين قائدا ً عاما ً للجيش العربي، وفي الوقت نفسه المفتش العام، بحجة أن الانكليز هم الذين يقومون بدفع نفقات الجيش.

نجح فؤاد سليم في مهامه العسكرية نجاحا ً كبيرا ً، وتمكن من قمع حركات التمرد والعصيان التي أثارها بعض الزعماء المحليين. وعندما كان يدرك تماما ً مخاطر السياسة البريطانية وأسلوب التفرقة والفتنة التي كانت ننتهجه بين القبائل والعشائر العربية، واثارة النعرات بينها بقصد اضعافها عن طريق تعميق العداوات بينها، فانه حاول بكل جهوده أن يتصدى لهذه السياسة ويخمد الفتن ويقرب المسافات بين العشائر والتخفيف من عداواتها. وقد لمس ذلك بالفعل من خلال حضهم للأمير عبد الله لتفضيل زعماء "بني صخر" على عشائر "العدوان"، خصوصا ً وأن بني صخر كانوا قد شاركوا الى جانبه في الثورة؛ ومن ناحية أخرى كان الانكليز يعملون من خلف الستار على استثارة كوامن المنافسة في عشائر "العدوان"، ويدخلون في أذهانهم أن الأمير عبد الله يؤثر غيرهم عليهم، قتزداد العداوة وتتعمق بين الفريقين، وهذا ما يسعى اليه البريطانيون بهدف التسلط واحكام قبضتهم على زمام الأمور. انها سياسة "فرق تسد "بأدق تفاصيلها ومراميها.

وفي سنة 1923 حدثت في البلقاء ثورة جديدة على الحكم القائم، بعد أن سبقتها ثورة الكورة وثورة الكرك، وقمعتا من قبل القوة العسكرية التي كان يقودها فؤاد سليم. ولما كانت أهداف ثورة البلقاء متضاربة، وشك في أمرها الوطنيون هناك، حيث اعتبرها الانكليز حركة محلية ومنعوا القوى العسكرية الوقوف في وجهها، اتضح للجميع عندها، خصوصا ً لفؤاد سليم ورفاقه من الضباط الاستقلاليين، أن الانكليز يريدون للبلاد خرابا ً، فقرروا اخماد الحركة، في الوقت الذي كان قائد الجيش - فريدريك بيك باشا - غائبا ً في لندن، فخرج فؤاد سليم بالجيش على مسؤوليته وقضى على الحركة، وشتت تجمعاتها وقبض على زعمائها. وكان ذلك بموافقة الأمير عبد الله. وعلى جناح السرعة، رجع "بيك" من اجازته (التي كانت مدبرة على ما يبدو لكي تقع ثورة عشائر العدوان في غيبته، ثم يتهم هو بتدبيرها). وفور وصوله، أرسل فؤاد الى مصر بحجة القيام بأعمال رسمية. وفي غيابه تمكن من اخراج الضباط الاستقلاليين من الجيش واجبارهم على مغادرة البلاد. فوجه بذلك ضربة موجعة الى "صديقه الشخصي" فؤاد سليم، الذي كان يراعي المصلحة الوطنية العليا ووحدة البلاد على أية مصلحة أخرى. وتوضح بعدها أن الانكليز صمموا على التخلص من فؤاد - رغم كل الاغراءات التي رفضها - كما تخلصوا قبلا ً من رشيد طليع واخهوانهما من الاستقلاليين. اذ أن الغدر والمكيدة هما من الصفات الملازمة للدم البريطاني الذي يغذي شرايين المستعمر المستبد. فكيف الحال بعدما تأكد "بيك" وأسياده أن فؤاد سليم "عربي مخلص لشعبه وعروبته" ومن المستحيل تدجينه، وقد أصبح وجوده في الأردن خطرا ً على السياسة البريطانية. عندئذ صدر القرار البريطاني باخراجه منها ونفيه الى مصر. وهكذا أضاف الى رصيده رصيدا ً جديدا ً لأنه: ربح عداء الانكليز بعدما كان قد ربح عداء الفرنسيين والأتراك. وفي المقابل، فقد ربحته مصر وصحافتها، حيث نشر في صحفها مقالات وكتابات كثيرة تمحورت بمعظمها حول قضية العرب وتطوراتها والكوارث التي حصلت بها، باعتبار أن في مصر، كان "قفير نحل" جمع رهطا ً كبيرا ً من العاملين في القضية، يسودهم سعد زغلول متعاونين في سبيل "العسل العربي وشهده"، المتمثل بقضية العرب وكرامتهم.

وأثناء وجوده في مصر، اندلعت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش في صيف 1925، فصمم على الالتحاق بها مهما كانت الصعوبات، في الوقت الذي طلب منه السفر الى اليمن، من قبل الامام يحيى حميد الدين، لكي يتولى تنظيم جيش الامام ؛ لقد رأى ببصيرته النافذة أن واجبه الثوري في سوريا هو أهم وأكبر من واجبه في اليمن، مدركا ً أن حياته التي تحمل طابع الخلود، ستخطها دماؤه الطاهرة على سفوح شيخ جبالنا في الجولان، وهكذا كان. وبالفعل، استطاع فؤاد سليم أن يصل الى جبل الثورة ويلتقي قائدها سلطان، رغم أن الانكليز رفضوا منحه جواز سفر يسهل مروره من مصر الى سوريا، أو حتى الى فلسطين. لذلك اضطر الى

قطع صحراء سيناء على متن هجين، ثم قطع نهر الأردن سباحة.

ونظرا ً للسمعة الطيبة والخبرة الطويلة التي يمتلكها فؤاد سليم في الميدان العسكري، فان سلطان باشا الأطرش، يذكر في مذكراته التي نشرت في مجلة "بيروت المساء" في السبعينات، فضل فؤاد سليم وحسن معاونته العسكرية، خصوصا ً أنه مبتدع شعار "الدين لله والوطن للجميع" وجاهد تحت لوائه ، كما اتخذته الثورة شعارها المنشود.

أبلى فؤاد سليم بلاء ً حسناء في معارك الثورة السورية الكبرى، وأثبت جدارة وكفاءة قتالية وقيادية خولته تولي قيادة تنظيم الحركات العسكرية ضد الفرنسيين في منطقة اقليم البلان ووادي التيم، فنجح نجاحا ً منقطع النظير. وكان قد اشترك في معركة المسيفرة المشهورة مبديا ً شجاعة فائقة. اضافة الى ذلك، فقد كتب الأستاذ منير الريس في"الكتاب الذهبي" أن العقيد فؤاد سليم ومعاونيه من المدفعيين العرب الذين التحقوا بثورة الجبل، أصلحوا من عشرة مدافع ثلاثة، بأخذ قطع التبديل من مدفع مخرب لتحل محل قطعة مخربة في مدفع آخر، وبعد جهد أسابيع ركزوا المدافع الثلاثة التي أصلحت في حرج السويداء، وفي مكان لا تكتشفه الطائرات، وأخذوا يملأون الظروف الفارغة بكمية من البارود الذي جمعوه، ويجهزونها بالكبسول الذي وجدوا أيضا ً كمية منه في القرى، ويعيدون القذيفة الى ظرفها. وفي يوم مشرق أخذت مدفعية الثورة تصب قذائفها على قلعة السويداء، تعمل فيها تخريبا ً، وفي حاميتها تقتيلا ً. وقد عجزت الطائرات الفرنسية عن كشف مكان المدافع التي أحسن العقيد فؤاد سليم اخفاءها، وتبديل أماكنها. وقد فعلت في القلعة والعسكر الفرنسي،ولم يستطع الفرنسيون اسكاتها الا بعد أيام...".

كانت المعركة الأخيرة التي خاضها فؤاد سليم ضد الفرنسيين في مجدل شمس. وكان واضحا ً أن الفريقين يستعدان لهذه المعركة استعدادا ً كبيرا ً. فقد نظم فؤاد سليم قواته، وكان الفرنسيون من الجهة الأخرى على بعد بضعة كيلومترات من مكان وجوده، يرقبون مكانه بالنواظير، فلما أبصروه، عاجلوه بقصف مدفعي، فأصيب في خاصرته. وعلم من شدة الاصابة أن لا شفاء له منها. فخر صريعا ً شهيدا ً على أرض أرادها أن تبقى على الدوام بعيدة عن رجس المحتل وتدنيسه لها، فسقاها من دمه الطاهر لكي تزهر في كل موسم مناضلين ومقاتلين وشرفاء، يدافعون عنها ويحمونها كما تحمى العيون وتصان. انها قومية المعركة العربية في خنادق القتال... وفي اللحظة التي تبلغ فيها سلطان ياشا الأطرش نبأ استشهاد فؤاد سليم، صرخ بأعلى صوته قائلا ً: "واأسفاه!! بموت فؤاد ماتت الثورة وماتت آمالنا وأمانينا فيها". مع العلم، أن سلطان باشا الأطرش كان لا يسلم الختم الخاص بالقيادة العامة للثورة السورية الكبرى، الا لفؤاد سليم فقط، الذي كان يكلف بكتابة بعض بيانات الثورة. وقد وجد هذا الختم في جيبه يوم استشهاده. لقد كان استشهاده في الثالث من كانون الأول 1925، على تلك التلة التي سميت ب"تلة فؤاد"، وأقيم له ضريح في تلك الناحية. وقد أقام هذا الضريح أحد الأشخاص الذي ينتمي الى الأكراد في الشام، اسمه "عمر آغا شمدين". وما زال هذا الضريح قائما ً هناك، ولم تستطع كل العواصف السياسة ولا الزلازل العسكرية أن تمحي أثره، لأن صاحبه أكبر من كل الزلازل والعواصف، وتأثيره في مماته ليس بأقل منه في حياته، بدليل لأن المنتفضين من أهلنا في مجدل شمس خاصة، والجولان عامة، ضد الاحتلال الصهيوني منذ أكثر من ربع قرن، يتسلح كل منهم (رجلا ًكان أم امرأة) ب "فؤاد" هو ذاته "فؤاد الفؤاد"، المؤمن بأم الحق لا يموت اذا كان وراءه مطالب،مهما بعدت المسافات، ومهما طالت السنين، ذلك لأن الاحتلال له وجه واحد ومفهوم واحد، تماما ً كما الحرية، لا يمكن أن تكون بعدة وجوه وعدة مفاهيم.

والحقيقة، أن قائدا ً كفؤاد سليم، جدير بالتكريم والوفاء في كل يوم، والأجدر من ذلك، أن نلقن أطفالنا حب هذا الفؤاد وأمثاله، لكي لا نصل الى يوم بلا "فؤاد"، وبلا "مبادىء"، وبلا "تاريخ"، وبلا "كرامة وبلا "مستقبل"...

لذلك لم يكن من الغرابة أن نجد الأدباء والشعراء والمجاهدين يتسابقون في كلمات الثناء على فؤاد سليم. فنرى الأمير شكيب أرسلان، يكتب مثلا ً كلمة بعنوان "فؤاد كليم، على فؤاد سليم" يقول فيها: "لا بد أن تستقل سوريا برغم بعض أعداء العرب... من أهلها، ولا بد أن يخرج منها الأجنبي كما خرجت أسلافه من ثمانمائة سنة غير مستفيد شيئا ً ، غير الضرر والقتل الدمار وسوء الأحدوثة والعار... وسيكون لمحرري سوريا يومئذ تاريخ يقترن بتاريخ نهضة الأمة العربية، وتسجل أسماء الأبطال الذين بدمائهم اشتروا حياة العرب... ولا يوجد في هذه الأسماء اسم يستحق التقديم على اسم فقيدنا، فقيد الثورة السورية، بل فقيد الأمة العربية المرحوم فؤاد بك سليم، الذي جمع بين السيف والقلم جمعا ً قل نظيره"...

أما الشاعر المرحوم خير الدين الزركلي (صاحب "معجم الأعلام") فقد نشر في القاهرة قصيدة سنة 1926، بعنوان "الشهداء"، قال فيها عن فؤاد سليم ما يلي:

أمضى على لقيا المنية عزمه ومضى فلم ينقض له ابرام

ما أنقض في كبد الجموع مرويا ً صمصامه حتى انتشى الصمصام

بهر العداة حياله فتفرقوا عنه، ولمهم النفير فحاموا

لم يقتلوه ولم تمزق صدره حمم اللظى لو لم يرم ما راموا

آلى فؤاد أن يموت مكافحا ً بين الصفوف، وبرت الأقسام

وكذلك الشاعر عبد الكريم شمس الدين الذي قال فيه قصيدة بعنوان "ثائر عربي"، جاء فيها:

هجر القصور وقد رأى فيها على الأيام قيدا ً للشجاعة محكما
ومضى الى الصحراء يبغي دونها حقا ً لأمته الحبيبة معدما

قاد الصفوف الى الجهاد وانه أهل لكل قيادة أن يحكما

سل عنه دنيا الشرق عن أعماله سل عنه آفاق العروبة والسما

اعصار حق لا يلين وثورة تأبى بمهد الأنبياء مظالما

وبميسلون من دماه شواهد تحكي مدى الأيام عنه مكارما
وعلى سفوح الشيخ، شيخ جبالنا أبقى على التاريخ منه معالما

ولعل خير ما نختم به الحديث، هو بعض الكلمات، من مقالة كتبها فؤاد سليم بعنوان "احدى مصائب الانتداب"، حيث قال:" ...ان فرنسا تسعى قبل كل سعي، و جهد فوق كل جهد، الى تفكيك وحدة البلاد و شل نهضتها الوطنية وقتل شخصيتها القومية. وهي في الوقت نفسه تسمح بادخال كل عوامل الفساد التي تشكو منها المجتمعات الغربية، وتفتح الباب على مصراعيه ليؤم البلاد من كل ما هب ودب من شذاذ الآفاق و"قناصات الظلام"".

وفي مقالة أخرى قال فيها:" ان انهزام الغطرسة والظلم أمام الحق والايمان بالحق أمر يشاهده الناس كثيرا ً في التاريخ، ولكن مثل هذا لم يحصل عندنا نحن بعد أن أتحفتنا هذه الحرب العالمية بالسادة المنتدبين؟؟".

فلو لم يكن فؤاد سليم قال هذا الكلام منذ أكثر من سبعين عاما ً، لما كنا اعتقدنا بأن هذا الكلام يقال اليوم في أواخر القرن العشرين، على لسان أحد الزعماء المعادين للاستعمار والصهيونية؟.. الجواب: نعم بكل تأكيد... ورحم الله كل فؤاد من طراز فؤاد سليم، ومن معدنه...

المراجع

1-مذكرات عجاج نويهض "ستون عاما ً مع القافلة العربية". اعداد بيان نويهض الحوت. دار الاستقلال. بيروت. الطبعة الأولى 1993. ص 52-61.

2- نجيب البعيني "رجال من بلادي" الجزء الثاني. مؤسسة دار الريحاني. بيروت. الطبعة الأولى 1986. ص 177-191.
3- سليمان موسى "صور من تاريخ البطولة". عمان / الأردن 1978.
4- منير الريس "الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي / الثورة السورية الكبرى". دار الطليعة. بيروت. الطبعة الأولى 1969. ص 226-227.
5- سعيد الصغير "بنو معروف في التاريخ". مطابع زين الدين. القرية / لبنان. 1984. ص 540.
6- محمد خليل الباشا "معجم أعلام الدروز". الجزء الثاني. الدار التقدمية. المختارة / لبنان. الطبعة الأولى 1990. ص41-43.

قصيدة "لسان أمه" للشاعر المجاهد فؤاد سليم

اني لأذكر قصة عن مجرم فاضت لدى تذكارها عبراتي
فعسى يرى الآباء فيها عبرة وتكون للأبناء خير عظات
حكم القضاة على فتى ً بالموت اذ قتل امرؤا ً ليفوز باللذات
فأتوا به عند الصباح مكبلا ً ما بين فرسان وبين مشاة
سألوه قبل الموت ماذا تشتهي فأجاب هيا عجلوا بمماتي
لكنه بين الجموع رأى له أما تنوح بأسوأ الحالات
فبكى وقال دعوا الحزينة لحظة كيما أقبلها قبيل وفاتي
فدنوا بها منه فقال تشجعي يا أمي هذي آخر اللحظات
مدي لسانك كي أقبله فما أربي للقبلات في الوجنات
مدت له منها اللسان ولم تكن تدري بما للابن من نيات
فدنا يقبلها ولكن صرخة ً منها دوت للناس في دهشات
فاذا به قطع اللسان وقال ذي الكلمات
لو لم يكن هذا اللسان مشجعا ً لي في الجرائم ما فقدت حياتي
هذا انتقامي منك يا أمي وهذه ثاراتي
اهمال تربية البنين جناية عادت على الآباء بالولايات
Wed Oct 04, 2017 1:43 pm View user's profile Send private message Send e-mail Visit poster's website
Display posts from previous:    
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
   
Page 1 of 1

 
Jump to: 


 
 
  Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright © DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved

Advertise | Terms of use | Credits