Back Home (To the main page)

Souvenirs and books from Lebanon
 

Sections

About us

Contact us

 
 
SearchFAQMemberlistUsergroupsLog in
Fakhr-al-Din II

 

 
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
  View previous topic
View next topic
Fakhr-al-Din II
Author Message
admin
Site Admin


Joined: 09 Mar 2007
Posts: 509
Location: Jbeil Byblos

Post Fakhr-al-Din II Reply with quote
فخر الدين المعني الثاني – حاكم لبنان ودولة تسكانا 1605 – 1635
بقلم الخوري بولس قرألي مدير المجلة البطريركية - مقتطف

المصادر


كان الاباتي طوبيا العنيسي، خادم الطائفة المارونية في مدينة ليفورنو بايطاليا، قد اتحفنا ببعض رسائل عربية لفخر الدين المعني الثاني امير لبنان، نقلها عن سجل محفوظ في خزانة مدينة فلورنسا الاميرية الخطية، فنشرناها وعلقنا عليها في مجلتنا البطريركية في بحر السنة 1932. وما استزدناه منها اخبرنا ان في الخزانة المذكورة سجلا ً ضخما ً خاصا ً بعلائق الامير بدولة تسكانا.

ولما كان أميرنا العظيم صاحب الفضل الاكبر على نهضة لبنان السياسية والاقتصادية والادبية اشتد فينا الشوق الى الوقوف بنفسنا على هذه الوثائق. فشددنا الرجال في ربيع السنة 1933 الى رومية العظمى، عاصمة ايطاليا والكثلكة، ونزلنا ضيفا ً على صديقنا الاباتي لويس عبيد، وكيل الرهبانية الانطونية المارونية لدى الكرسي الرسولي، ومؤسس مدرستها في هذه العاصمة. تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه. ولما فاتحنا اولياء الامر وادباءهم برغبتنا في بعث هذه المساند، الراجعة الى تاريخهم وتاريخنا، رحبوا بنا الترحيب كله، وزودونا بالمساعدات الادبية والمادية.

هبطنا مدينة فلورنسا، قاعدة الأمارة التسكانية، وقصدنا الى خزانتها المذكورة آنفا ً، وعكفنا على تصفح السجلات الخاصة بأسرة مديشي، صديقة الامير وحليفته. وما زلنا في بحث وتنقيب حتى تجمع لدينا من الوثائق الثمينة الغير المعروفة عدد وافر كشف النقاب من امجاد الحقبة الواقعة بين السنة 1605، التي بدأت فيها علائق الامير بتلك الاسرة، والسنة 1635 التي انطفأت فيها حياته، بعد ان ملأها اعمالا ً جبارة في سبيل وحدة لبنان وعظمته ورخائه.

ثم انتقلنا الى خزائن ليفورنو وبيزا وجنوفا والبندقية، فلم نجد فيها ما يتعلق بالامير، بيد اننا عثرنا على الشيء الكثير الخطير العائد الى علاقات هذه المدن البحرية بلبنان وسوريا في المدة السابقة واللاحقة عهد الامير، اي من اوائل القرن الثاني عشر حتى اواخر القرن الثامن عشر. وسننشرها باذن الله في فرصة اخرى.

وعدنا الى فلورنسا فصورنا من المساند المكتشفة ما تيسر لنا تصويره. وبقي امامنا اربعة سجلات طوت مواد غزيرة تصعب قراءتها مصورة، ويقتضي لدرسها والتروي في محتوياتها الوقت الطويل. فسالنا الحكومة الايطالية ان تتكرم بنقلها الى رومية. فترددت في بادىء الامر، لخوفها عليها، ثم نزلت على طلبنا واتخذت الحيطة الكبيرة لنقل هذه التحف الثمينة، التي لم تخرج من خدرها ثلاثة قرون واكثر.

ولم نكتف بهذه الثروة بل عمدنا الى خزانة الفاتيكان الخطية ومكتبتها، والى اضابير مجمع انتشار الايمان المقدس، المعروف بالبروباغنده، والتقطنا منها ما قل وغلا عن الامير وعصره ومعاصريه. فاكتملت لدينا سلسلة الوثائق الخاصة بعلاقاته وعلاقات خلفائه بالدولة التسكانية حتى السنة 1659، واشتبكت حلقاتها وسطعت انوارها على حوادث تلك الحقبة الخطيرة من تاريخ لبنان والامير وعلى ابطالها ومآتيهم.

واليك بعض الكلام في هذه المصادر:

1- السجلات المديشية - السجلات المديشية، التي اخذنا عنها، عشرة، اهمها الاربعة الموضوعة في الخزانة تحت الارقام 4274 -4277.

يتألف السجل الأول، الموسوم بالرقم 4274، من احدى عشرة اضبارة غير مجلدة، جلها ان لم نقل كلها، أصلي. استخرجنا من الاولى والسادسة والحادية عشرة قسما ً كبيرا ً من ملحق كتابنا، الخاص بعلائق فردنان الثاني بحفدة فخر الدين وبأصهاره اللمعيين.

ويحتوي الثاني ذو الرقم 4275 المساند العائدة الى علاقات فردنان الاول بملوك العجم وعلي باشا جانبولاد والي حلب وفخر الدين حليفه، وبموارنة لبنان ويونان قبرس.

اما الثالث الحامل الرقم 4276 والمؤلف من 673 ورقة بحجم 21ْ-30 سنتمترا ً، فان استثنينا منه الاوراق 260-289، المتعلقة بالامير يحيي العثماني، امسى بكامله خاصا ً بعلائق فخر الدين بقزما الثاني (1613-1615)، وبولده فردنان الثاني (1624-1635). واهم وثائق الحقبة الاخيرة تقارير فرنسيس دا فرتسانو قنصل تسكانا في صيدا، عن حالة لبنان السياسية والتجارية (1630-1633).

والرابع الموسوم بالرقم 4277 اضخم هذه السجلات، ولعله اهمها في تاريخ الدولة العثمانية. يطوي بين دفتيه 724 ورقة، راجعة الى الحقبة الواقعة بين السنتين 1543و1622، التي امتازت بثورة العجم على آل عثمان. وهي الثورة التي ضعضعت احوالهم، واوهنت قواهم الحربية واستنفدت خزينتهم، وشجعت تمرد دول البلقان المسيحية عليهم، فانسلخت عنهم الواحدة تلو الاخرى. فضلا ً عن انها حملت كثيرين من رعاياهم على العصيان، كفخر الدين في لبنان، وجانبولاد في سوريا، ومصطفى حسين والقلندر في الاناضول، والشيخ مبارك وأباظه باشا في العراق. واطمعت امراء الغرب في التعدي على مراكبهم وثغورهم وشد ازر مناوئيهم بالاساطيل والاعتدة والذخائر الحربية.

وفي هذا السجل الاخبار والنوادر الطريفة عن حالة الاستانة واستعداداتها برا ً وبحرا ً لرد المخاطر المحدقة بها. وعن حياة سلاطينها ودسائس وزرائهم وجواسيسهم ونسائهم، ومناورات السفراء الاجانب حولهم، وتنازعهم النفوذ والامتيازات لدولهم. واغلب هذه المصادر موضوع بشكل تقارير، كانت ترد الى عاهلي تسكانا واسبانيا من عملائهما السريين في عاصمة آل عثمان والبلاد التي يطمحان اليها. اقتطفنا منها ما يخص موضوعنا.

الفاتيكان والبروباغنده - استخرجنا من سجلات خزانة الفاتيكان، وخاصة من مكتبتها، القسم الاكبر من الوثائق العائدة الى علاقات فخر الدين بالكرسي الرسولي في عهدي بولس الخامس (1605-1621)، واوربانس الثامن (1623-1644). وفي المجموعة البربرينية من مكتبة الفاتيكان سجل موسوم بالرقم 7817، اخذنا عنه كل المصادر الخاصة بسفارة المطران جرجس بن مارون الثانية (1627-1630)، والثالثة (1634) الى دولتي تسكانا والفاتيكان، واكملنا منه ملحق هذا الكتاب الخاص بعلائق دولة تسكانا مع ورثة فخر الدين حتى السنة 1659.


واستقينا من خزانة مجمع انتشار الايمان المقدس المعروف بالبروباغنده، والمؤسس في السنة 1622، المصادر العائدة الى تركة فخر الدين (1722-1733). واستعنا بها كثيرا ً في التعليق.

المراجع - للتعليق على هذه الوثائق عدنا الى مؤلفات عديدة شرقية وغربية، رتبنا لها فهرسا ً ابجديا ً في الجزء الأول من هذا الكتاب، فراجعه. ونكتفي الان بذكر اربعة منها.

أولها واهمها تاريخ احمد بن محمد الخالدي الصفدي، الذي دون ما اتصل به عن الامير "بحسب ما اسنده اليه الرواة الثقاة". وزاد عليه ما عرفه بنفسه، لانه كان "متقربا ً من الامير". ولعله كتب باشارته واستقى من فمه كثيرا ً من اخباره. فقد قال في الفاتحة "هذا وقد أشار علي من اشارته غنم ومخالفته غرم ان اسطر ما وقع للامير في زمن توليته علينا". وجاء في رحلة الامير الى ايطاليا المنسوبة اليه، في صدر الكلام عن مدينة بالرمو: " نريد ان نذكر الان جزوءا ً من تلك البلاد كما انها عظيمة وذكر حضرة الامير مفصلا ً"

بيد ان تاريخ الخالدي يقتصر على اثنتي عشرة سنة من حياة الامير. فيبدأ بآذار السنة 1612، وينتهي في تشرين الاول من السنة 1623. والخالدي توفي في السنة 1624. زد على ذلك ان ترجمته خالية بتاتا ً من المعلومات الخاصة بسياسة الامير الخارجية، ومراميه الواسعة، ومساعيه لدى دول اوربا ً لمناوأة الدولة العثمانية والاستقلال عنها. حتى ان القارىء يتوهم من كلامه ان الامير كان من اطوع الرعايا للدولة ومن اشدهم تمسكا ً بالدين الاسلامي، وان ما اشيع عنه خلافا ً لذلك تهمة اولدها الحسد. وعذر الخالدي في جهل هذه الناحية من حياة مترجمه راجع الى حرص الامير أن يبوح بها الى مقربيه من المسلمين، لانهم كانوا ينزلون السلطان منزلة خليفة رسولهم. فنحن اول من كشف النقاب عن حياة الامير السياسية.

واستعنا أيضا ً بمؤلفين للمؤرخ المدقق البطريرك اسطفان الدويهي. الاول المطول، المعروف بتاريخ الازمنة او تاريخ المسلمين، المستهل بظهور محمد نبي الاسلام في السنة 571م. والثاني المختصر البادىء بالحروب الصليبية في السنة 1095م. وكلاهما ينتهيان بحوادث نهاية القرن السابع عشر.

وقد أسعدنا احظ بالعثور على نسخة تاريخ الازمنة الاصلية. كانت خاصة العلامة يوسف السمعاني، الذي عاصر الدويهي وشهد انها بخطه. فانتهت منه الى المكتبة الفاتيكانية. وقد صورناها بكاملها، وسنشير اليها هنا بحرف ز. اما الثاني فقد نشر القسم الاكبر منه المرحوم رشيد الشرتوني في السنة 1890. بيد انه شوهه بتحريف عبارته وحذف ما لم يجسر على نشره في عهد الاتراك. ولهذا التاريخ نسخة حسنة في المكتبة الفاتيكانية ترتقي الى السنة 1610 اخذنا عنها صورة شمسية. وسنشير الى نشرة الشرتوني بحرف د (دويهي) والى المخطوطة بحرفي دم (مخطوطة الدويهي).

وهناك ثلاثة مؤلفات غربية مطبوعة وردناها مرارا ً. الاول للاب اوجين روجيه الفرنسوي من رهبان مار فرنسيس. كان مقربا ً من الامير وطبيبه في آخر حياته. قضى شطرا ً من رسالته في لبنان واطلع على احواله واحوال الامير ودونها في كتاب اسماه "الارض المقدسة" جمع فيه فوائد جمة. بيد انه لا يسعنا ان نضع فيه الثقة كلها لنزعته الى الاقصوصة.

وقد نرجع احيانا ً الى تاريخ الامير ليوحنا ماريتي الايطالي، الذي قلب قبلنا الوثائق المديشية فاصبح ثقة في ما حكاه عن علاقات الامير بدولة تسكانا. واستعان بتقرير المهندس سانتي في ما خص تاريخ الاسرة المعنية وشخصية الامير والحوادث اللبنانية في عهده فوقع في اخطائه. وهو ان خانته الوثائق عمد الى مخيلته فملأ فراغ التاريخ بالاوهام. ونحن نرجع اليه اذا وجدنا ثغرة في المساند، لعله كان اوفر حظا ً منا. وقد اخذنا عنه ايضا ً وصفه للآثار التي خلفها المهندسون التسكانيون في لبنان، لانه شاهدها بام عينه في غضون زيارتيه للبلاد في السنتين 1761 و1767.

ولرحلة السائح جرجس سانديس الانكليزي، الذي مر بلبنان في السنة 1610، قيمة لا يستهان بها. لان المعلومات السابقة السنة 1612، التي استهل بها الخالدي تاريخه، نادرة. وقد كتب رحلته في عهد مراد باشا القبوجي الصدر الاعظم (1)، الذي توفي في تموز السنة 1611. فكلامه عن الامير ودولته سابق لهذا التاريخ. ونحن اذا استشهدنا في هذا الجزء الثاني بمؤلف شرقي أعدنا القارىء اليه رأسا ً. واذا كان غربيا ً اكتفينا بالاشارة الى صفحة الجزء الاول من كتابنا، مرفقة بحرف ف، الا اذا كان المرجع غير مذكور فيه.

4- الاسلوب - لما كانت قيمة التاريخ في وثائقه، وكانت نصوص اكثر الوثائق الخاصة بموضوعنا باللغات الغربية، خاصة الايطالية، رأينا ان نفرد لها الجزء الأول بكامله، وان نعلق عليها باللغة نفسها، مكتفين بنقل الوثائق الشرقية اليها. وتنويرا ً لاذهان القراء وتحاشيا ً من المراجعات في التعليق، افتتحنا الكتاب بمقدمة بينا فيها خطة الامير في الادارة والسياسة في مختلف نواحيهما. وهو عمل شاق كلفنا الوقت الطويل وكبدنا عرق القربة، لاضطرارنا الى اسناد كل كلمة الى مرجع اصيل، والتقاط هذه المراجع من بطون آلاف من الاوراق الخطية ومئات من المجلدات المطبوعة. وقد كوفئنا على عملنا. لاننا فزنا بترجمة وافية لبطلنا، ووضعنا اساسا ً متينا ً لتاريخ لبنان في عصره الذهبي (1590-1635)، وبينا حقه في حياة الاستقلال بحدوده الطبيعية سهلا ً وجبلا ً.

اما نصوص الوثائق الشرقية من عربية وتركية فقد اودعناها هذا الجزء الثاني، حيث يجد القارىء كل المعلومات المنشورة في وثائق الجزء الاول، منسقة حسب الموضوع ومقسمة ابوابا ً وفصولا ً وفروعا ً. بينما كانت في نصوص الوثائق الاصلية مبعثرة، واحيانا ً مكررة. ولم نغفل عن تعريب المقدمة واكمالها بما استجد لدينا، ليتسنى لمواطنينا جني فوائدها الجمة.

ولما انتهينا من كتابنا قدمناه لمجمع العلوم والفنون الملكي الايطالي، على يد المستشرق الضليع الاستاذ كارلو نلينو، العضو في هذا المجمع وفي المجمع اللغوي المصري. فرمقه اعضاؤه الاعلام بعين الرضى، وخصصوا لنفقات طبعه مبلغا ً لا يستهان به. وسمحوا لنا بان نسحب عددا ً كافيا ً من نسخه نوزعه على مشتركي مجلتنا البطريركية، تعميما ً لفائدته بين ابناء الوطن. وهي منحة يقدرها الشرقيون حق قدرها ويشكرون عليها المجمع الايطالي وحكومته الشكر كله. وقد جاءت دليلا ً على كرم القوم ورقيهم وتجردهم للعلم دون الغرض.

وهذا ما حدانا الى تقديم الكتاب لرجل هذه الامة الكريمة ورجل العصر، فخامة بنيتو موسوليني، الذي انقذ شعبه بجزمه ودهائه من شر الفوضى المستطير، ورفعه الى مصاف اعظم الدول ثقافة وبسطة وهيبة

صور في 20 حزيران 1937
الخوري بولس قرألي

ترجمة مختصرة لفخر الدين


لما كانت المعلومات الخاصة بترجمة فخر الدين مبعثرة في المقدمة تحت عنواني "الادارة والسياسة" وفروعهما، رأينا ان نصدر كتابنا بترجمة مختصرة لاميرنا، منسقة حسب تاريخ الحوادث، لتدخل ذهن القارىء واضحة فترسخ فيه.

ولد فخر الدين المعني الثاني في السنة 1572 من قرقماس معن ابن فخر الدين الاول، ونسب تنوخ. والاسرتان عريقتان في الحسب والنسب، حكمتا في لبنان، الاولى في مطلع القرن الثاني عشر، والثانية منذ اوائل القرن التاسع.

في السنة 1584 نهبت خزنة السلطان في جون عكار، التابعة ليوسف سيفا. فاتفق هذا والشيخ البدوي منصور ابن الفريخ، صاحب البقاع والجليل ونابلس، على الصاق التهمة بدروز الشوف. فاجتاح ابرهيم باشا والي مصر بلادهم وامعن فيها نهبا ً وتخريبا ً وقتلا ً حتى بلغ عدد القتلى ستين الفا ً. اما قرقماس اميرهم فحاول في بادىء الامر استرضاءه ثم عمد الى محاربته. ولما غلب على امره اختبأ في مغارة جزين، حيث توفي عن ولدين، فخر الدين ويونس. فضمن الامير سيف الدين التنوخي خالهما مقاطعة الشوف، الخاصة باسرتهما. ولما كانت السنة 1590 استدعى كبيرهما فخر الدين وسلمه اياها، وقواه بالمال والرجال.

وفي اواخر السنة 1592 مر بصيدا مراد باشا القبوجي في طريقه الى دمشق مقر ولايته الجديدة. فقصد اليه فخر الدين واسترضاه وسأله التوسط لدى السلطان في منحه سنجقيتي بيروت وصيدا وقطع رأس ابن الفريخ، ففعل.

وكانت بيروت قد آلت الى يوسف سيفا، صاحب طرابلس، فتريث حتى نقل مراد باشا من دمشق، وزحف في السنة 1598 بجيش جرار ليستردها. فانتظره فخر الدين وحلفاؤه، من آل شهاب وحرفوش ومقدمي جبيل، في وادي نهر الكلب الضيق، حيث لا يسع الجيش الكبير الحركة، فكسره. وبعد سنة اصطلح معه، فاعاد اليه بيروت.

وفي السنة 1602 فاز فخر الدين بسنجقية صفد، قاعدة الجليل.

وحنث سيفا بالعهد وانتقم في السنة 1601من مقدمي جاج ومتاولة البقاع، حلفاء الامير. فواقعه فخر الدين في جونيه في السنة 1605 وهزمه، وانتزع منه نهائياً كسروان والفتوح.

وفي السنة 1606 حالف فخر الدين علي باشا جانبولاد، مغتصب ولاية حلب، ليدرأ به شر ابن سيفا. ففاز هذا من الباب العالي بلقب سردار سوريا، وجمع على الحليفين جيشا ً عرمرما ً. فنازلاه في موقعة بقرب حماة واخرى بقرب دمشق وخذلاه. ثم صالحاه على مال وعلى زواج متبادل.

بلغت هذه الحوادث اذني فردنان الاول، غراندوق تسكانا، وكان قدج اشهر العداء على تركيا وطمح الى الاستيلاء على سوريا وفلسطين وقبرس، فاوفد في السنة 1607 سفيرا ً يدعى باسيلي قريع الحلبي، ليتفق والحليفين على الدولة العثمانية. فوقع السفير مع علي باشا محالفة حربية تجارية في 3 تشرين الاول من تلك السنة.

ولما انهزم علي باشا من وجه الوزير الاعظم مراد باشا،ارسل الغراندوق سفيرا ً آخر يدعى هيبوليت ليونسيني، فعقد في السنة 1608 مع فخر الدين محالفة تماثل تلك، وضع الغراندوق على اثرها تحت تصرف الامير قطعا ً من اسطوله، وزوده بالاعتدة والذخائر الحربية. وبسط الامير يد الحماية لغلايين صديقه، فأخذت تلجأ الى موانئه وتتمون منها الزاد والماء. وشجع مراكب تسكانا وتجارها على ورود ثغور لبنان، فكانت تبادل مصنوعاتها بمنتوجاته من حرير وقمح وزيت وصابون وحبوب. وتسنى للامير التبسط جنوبا ً حتى بلغ، على شهادة الرحالة سانديس الذي مر بلبنان في السنة 1610، "أسفل جبل الكرمل، ضاما غزير و بيروت و صيدا و صور و عكا و صفد ودير القمر والشقيق وبانياس والحولة وبحيرة طبريه والناصرة وقانا وجبل طابور".

بيد ان توسع الامير، ولا سيما علاقته بدولة تسكانا، اثارت شبهات السلطان فيه، واخذ يتأهب لسحقه. ففكر الامير ان يدرأ الخطر قبل ان يدهمه واوفد في السنة 1611 المطران جرجس بن مارون الاهدني، بتوصية من البطريرك يوحنا مخلوف، ليعقد مع قزما الثاني عاهل تسكانا، وبولس الخامس بابا رومية، اتفاقا ً على احتلال الاراضي المقدسة، فيجعل في جنبه دولة صديقة قوية تساعده على الوقوف في وجه تركيا.

وفي تموز تلك السنة توفي مراد باشا الصدر الاعظم صديقه، وخلفه نصوح باشا عدوه، الذي نزل حلب في السنة 1612. فاقنعه احمد باشا الحافظ والي دمشق ان ينزع سنجقيتي حوران وعجلون من عمرو شيخ عرب المفارجه، وحمدان قانصوه، حليفي فخر الدين، نكاية فيه. فاعادهما الامير قوة وجبرا ً الى سنجقيتيهما. الامر الذي حمل الوزير على تجريد حملة قوية عليه برا ً وبحرا ً في صيف السنة 1613. فلم يشأ الامير اشهار العصيان على الدولة بل جهز قلاعه بالذخائر والمال والرجال، ليكفل ثباتها خمس سنين، وسلم اخاه يونس قيادة الجيش واقلع الى ايطاليا مستصحبا زوجته خاصكيه بنت الظافري ومستشاره الحاج كيوان بن عبد الله.

بلغ ليفورنو ميناء تسكانا في الثالث من تشرين الثاني 1613. فاستقبله عاهلها قزما الثاني بالترحاب وأضافه مع ذويه وحاشيته وسعى لدى امراء اوربا بتجريد حملة يترأسها الامير لتعيده الى دولته وتحتل بقيادته الارض المقدسة. وكانت عقارب الخلاف دابة بين الامراء المسيحيين. فلما ذهبت جهود قزما عبثا ً عين للامير في عاصمته فلورنسا قصرا ً فخما ً لنزوله ومبلغا ً كافيا ً لنفقاته.

وفي السنة 1614 حنق السلطان على نصوح باشا فخنقه واستخلفه بمحمد باشا. وكان صديقا ً للامير فنال له العفو والعود الى مملكته. بيد أن فرمان العفو وصل الى تسكانا بعد ان غادرها الامير، في آب 1615، الى مسينا في صقلية، نزولا ً على دعوة الدوق دسونا، نائب ملك اسبانيا فيها. ومن مسينا ركب الامير احد غلايين الدوقالى صيدا، حيث وجد ابنه الامير علي معينا ً مكانه في حكم البلاد، واطمأن الى ذويه ووطنه. وعرج في عودته على جزيرة مالطا، فاستقبله فرسانها استقبالا ً شائقا ً.

وفي أيلول السنة 1618 عاد الامير الى لبنان مصمما ً على خراب ابن سيفا، الذي استثمر في غيابه نكبته، واستولى على كسروان والفتوح، وحاول حرق قصره في دير القمر. ففي كانون الاول من السنة عينها ركب فخر الدين عليه فدحر جيشه وحاصره في قلعة حصن الاكراد ودك قصوره وقصور ذويه في عكار. ولم ينفك عنه حتى غرمه مبلغا ًجسيما ً من المال. وفي عودته عنه وضع يده على مقاطعتي البترون وجبيل. وفي السنة 1622 سلخ منه جبة بشري.

وفي السنة عينها فاز من الباب العالي بسنجقيتي عجلون ونابلس. بيد ان يونس حرفوش، صاحب البقاع، خان عهده والقرابة، واغرى مصطفى باشا والي دمشق، فامتنع عن تسليمه السنجقيتين. وزاد على ذلك ان جمع عليه من رجال اعدائه السيفليين واليمنيين والعرب والدمشقيين اثني عشر الفا ً، ليستولي على مملكته. فقصد الامير اليهم باربعة آلاف وهاجمهم في عنجر في الثالث من تشرين الثاني 1623،ومزقهم شر تمزيق، وقبض على مصطفى باشا. بيد انه عامله بالحسنى فأقره الباشا على سنجقياته واضاف اليه البقاع وغزه.
ولما اطمأن الامير من هذه الناحية تحول على ابن سيفا ليهد ما بقي له من القوى. فشد ازر عثمان باشا الكتانجي، الذي عينه الباب العالي لتحصيل الاموال المتأخرة على سيفا، وفاز منه بعكار والضنيه.

وفي 20 تموز 1625 مات يوسف باشا سيفا. فأسرع الامير الى طرابلس واستباحها نهبا ً اربعين يوما ً متوالية، وتحول على اولاد يوسف سيفا، فاسترضوه بقلعتي الحصن والمرقب.

فلم ير الباب العالي لراحة البلاد وضمان اموالها اوفق من اطلاق يد الامير في حكمها. فمنحه في صيف 1624 لقب "سلطان البر"، الذي حمله جده فخر الدين الاول، وبسط سلطته على سوريا بكاملها وفلسطين، من الاناضول حتى رمال مصر.

وما ان تسلم الامير البيلوردي المؤذن بذلك حتى نهض على رأس حملة من رجاله فجال في سوريا و فلسطين من اقصائهما الى اقصائهما، مجتاجا ً بلاد العلويين، مجتازا ً صحراء تدمر الى حلب وانطاكية،مرتبا ً امور مملكته الواسعة، كامجا ًجماح العصاة، قاطعا ً دابر الاشقياء، مرمما ً الاسوار والابراج والحصون والقلاع، ومحصنها ومجهزها بالاعتدة والزاد والرجال. فخضعت لامره الرعية والسناجق والولاة، وخيم الامن على طول البلاد وعرضها، ونشر العدل لواءه، ومشت السابلة والقوافل وذاقت العباد عشر سنين متوالية طعم الراحة والرفاهية.

وفي السنة 1627 فاز باسم ولده حسين بباشوية طربلس وهم حالا ً باصلاح حالها وتنشيط تجارتها وزراعتها.

بقي عليه تأمين هذه الفتوحات من "اختلال الاحكام" في عاصمة الامبراطورية العثمانية، وتبديل وزرائها وجور سلاطينها. ففكر للمرة الثالثة بمشروع اعادة مملكتي اورشليم وقبرس المسيحيتين. فتقوم على حدوده الجنوبية دولة حليفة عزيزة الجانب، وتصبح جزيرة قبرس قاعدة لاسطول يحمي شواطئه المعرضة لهجمات العمارة العثملنية، الى ان يتسنى له انشاء اسطول لبناني قوي يقف في وجهها ويرد غاراتها. فكتب بهذا الصدد في السنة 1623 الى دوق البوكركي، نائب ملك اسبانيا في صقلية، وفي السنة 1624 الى البابا اوربانس الثامن، والى غراندوقة وارشيدوقة تسكانا ، الوصيتين على فردنان الثاني. وافد في السنة 1627 المطران جرجس بن مارون لملاحقة هذا المشروع الخطير.

وفي أواخر السنة 1629 نشط الامير الى تجديد العلائق السياسية والتجارية بدولة تسكانا. فاوفد اليها السفراء والوكلاء وبادل مصنوعاتها، من اقمشة واسلحة وذخائر، بالمصنوعات اللبنانية. واستقدم منها المهندسين والفنيين والخبراء في فنون الحرب والزراعة. فعملوا على بناء الجسور والاقنية وتدريب الفلاح على اقرب الاساليب في استثمار الارض، والجيش على احسن طرق القتال. فاقام الامير بمساعدتهم الجنائن والقصور. وتابع بناء القلاع والابراج او ترميمها وجهزها بالاسلحة والرجال حتى تجاوزت الابعين وتجاوز جيشه مئة الف. قال المحبي "ولم يبق وراءه، الا دعوى السلطنة".

وهذا ما حدا حساده الى التآمر على اهلاكه. فوشوا به الى السلطان مراد الرابع انه طامع بعرش السلطنة. فجهز عليه عمارة قوية بحرا ً وجيشا ً عظيما ً برا ً بقيادة احمد كجك باشا والي دمشق، الذي كان ربيب الامير ومن موظفيه السابقين. فاقنع فخر الدين مستشاروه بان يسترضيه بدلا ً من ان يقاومه. فاسترضاه بالمال وبتسليم قلعتي صيدا وبيروت اكتسابا ً للثقة والوقت، وارسل خفية المطران جرجس بن مارون الى ايطاليا طالبا ً نجدة بحرية، واثقا ً من نفسه ان يصمد وحده في البر امام القوة الهاجمة.

بيد ان النجدة لم تصل في وقتها فأسر الامير وقيد الى الاستانة، حيث دافع عن نفسه دفاعا ً بليغا ً فعفا عنه السلطان. حتى قام حفيده الامير ملحم بهجمة على القوات العثمانية المحتلة لبنان، فاصدر مراد الرابع امرا ً بقطع راس فخر الدين وقتل بنيه وذويه. وكان مصرعه في 13نيسان 1635.

اما عمله فلم يهلك معه. فقد ضمن لورثائه ملكا ً ثبت اكثر من قرنين، ولبلاده الوحدة التي تتمتع بها الان الجمهورية اللبنانية، فضلاً عن الاستقلال والراحة والرفاهية والثروة الزراعية والتجارية، والازدهار في العلوم. حتى اصبح لبنان محور النهضة الادبية في الشرق الادنى.

وسيتحقق القارىء قولنا من مطلعة هذا الكتاب.

مقدمة

في الثالث عشر من نيسان السنة 1935 المنصرمة،أتمت عجلة الزمان الابدية دورة القرن الثالث على مصرع فخر الدين المعني الثاني، أمير لبنان والجليل، وحاكم سوريا.

ثلاثمائة عام، ملأى بالحوادث التاريخية الخطيرة، واعمال الرجال العظام، واختراعات العلماء المدهشة، لم تقو على أن تمحو من ذهن الاجيال، التي تعاقبت على مصرع الامير، ذكراه المجيدة. بل قد انتعشت الان هذه الذكرى وجددت شبابها بما نشر عنه في السنتين الاخيرتين من الابحاث والوثائق الخطية والمؤلفات.

استولت الخرافة على شخصية الامير الكبيرة وهو ما زال حيا ً يرزق، واستمرت طيلة هذه القرون تنسج حولها كالعنكبوت خيوطها الفضية، حتى اصبحت هالة تبهر بلمعانها أحد المؤرخين بصرا ً، وأدقهم بحثا ً.

واجتازت شهرته الى الغرب، حيث لعبت ايضا ً الخرافة والقصة دورهما. قال المؤرخ هامر في تاريخ السلطنة العثمانية" ذاع صيت فخر الدين في اوربا بالقصة التي وضعها الروائي هاملتون". وقال في محل آخر" وكانت شهرته قد طبقت آسيا واوربا". وقال الاب روجيه "ان اعمال فخر الدين المجيدة خلقت له شهرة عبرت من آسيا الى اوربا". وقال الاب جلوبوفتش "جميع الذين كتبوا في تاريخ الدولة العثمانية ذكروا مآتي فخر الدين. بيد انك لا تجد كاتبين متفقين في القول. تعددت عن الامير الدرزي الخرافات والقصص فلم يمثله لنا احد بصورته الحقيقية".

وقد ترجمه من الغربيين يوحنا ماريتي بالايطالية (في السنة 1786)، ووستنفلد بالالمانية (1886)، والاب روجيه (1664)، وبوجيه دسان بيير (1762) بالفرنسوية.

ولما كانت ذكرى اميرنا العظيم ملكا ً للتاريخ رأينا ان ننزع عنها خيوط الخرافة الواهية الكاذبة ونبرزها امام اعين الاجيال الحاضرة والقادمة بمظهرها الحقيقي الجدير بشخصيته السامية. وهومظهر لا يقل روعة وبهاء عن الخيال. فاخذنا ننقب في خبايا التاريخ وزواياه عن اخلاقه واعماله. ولما تكدست امامنا آراء معاصريه انقلبت شخصيته الى أحجية ذات وجهين متناقضين شكلا ً ومعدنا ً. وصفه بعضهم مقداما ً، شهما ً، حليما ً، عادلا ً كريما ً، عفيف النفس واللسان، رصينا ً، شجاعا ً، ذكي الفؤاد، راجج العقل، واسع الصدر، ثابت الرأي والجنان. وصوره غيرهم جبانا ً، لئيما ً، متقلبا ً، بخيلا ً، ظالما ً، جشعا ً. ففي اي جانب وقفت الحقيقة؟

اذا صدقنا الوثائق المعاصرة، التي اكتشفناها صدفة ً، ونشرناها في هذا الكتاب باعتبار اهميتها التاريخية لا الجدلية، تحققنا ان لبنان لم يبلغ يوما ً القوة والراحة والرخاء التي بلغها في برهة السنين الخمس والاربعين، التي تسلم فخر الدين في اثنائها زمامه. وان هذه الرفعة وهذا التقدم عائدان الى حكمته وبأسه ووطنيته.

اذن لقد كان عظيما ً وحق لذكراه الخلود. وان ادعى امرؤ خلاف ذلك فقد جهله، او بالاحرى جهل عصره ومحيطة. فاليهما تنسب بعض الشوائب، التي قد نعثر بها في ترجمته. ويجدر بنا القول ان انحطاط محيطه يبرز مزاياه لامعة، من عزة نفس، وقوة ارادة، وصدق كلمة، وثبات جنان وحلم وعدل ودعة، وفطنة خارقة في ادارة دفة البلاد السياسية والعمرانية. وهي مزايا نادرة في عهده بل فريدة بين ولاة الامبراطورية العثمانية.

ولنستعرض الآن طريقته في ادارة البلاد داخلا ً وسياستها، فنتحقق صدق هذا الكلام
Wed Jan 10, 2018 7:47 pm View user's profile Send private message Send e-mail Visit poster's website
Display posts from previous:    
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
   
Page 1 of 1

 
Jump to: 


 
 
  Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright © DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved

Advertise | Terms of use | Credits