Back Home (To the main page)

Middle East fine art store

 

Sections

About us

Contact us

 
 
Home > Panoramic Views

الزراعة في لبنان - لبنان منشورات الجامعة اللبنانية

تمهيد

معلوم ان منطقة نمو النبات تزيد ارتفاعا ً عن المنطقة التي يعيش فيها الحيوان فتقارب الثلاثة آلاف متر علوا ً في بعض مراكز لبنان ونظرا ً لارتفاعات الجبل المتفاوتة وما يتأتى عن ذلك من اختلاف الاقاليم تجد فيه انواعا ً لا يحصى عددها من النباتات ان كان من صغائره او من اعاظمه. فلنباشرن الآن بالاحراج ثم ننتقل الى المزدرعات المختلفة وما يختص باستثمارها وبنتائجها وتوابعها.

1- الاحراج


يستدل من الكتاب الكريم ومن التاريخ وبعض الآثار ان سلسلة لبنان من الشمال الى الجنوب وفي جميع اطرافها كانت في سالف الزمن مكسوة بالاشجار يعد بعضها من اجمل انواع النبات واعظمه نذكر منها الاجناس التالية:

بين الفصيلة الراتينجية: الارز والشوح والصنوبر وعندنا منه ثلاثة انواع الاول يسمى بنيون ( Pin Pignen) وهو ما يؤكل حبه. والثاني يقال له صنوبر حلب (Pin d'Alep) والثالث يقاربه كثيرا ً ويسمى (Pin Brutia) ويدعونه عندنا يرزا ً. ثم الشربين والسرو والعرعر واللزاب والدفران.

وبين الاشجار والشجيرات الاخرى: السنديان والبلوط او الملول وعندنا منها انواع كثيرة. واللوز واللوز البري والكرز والمحلب والمشمش البري او القطلب والدراق والتين والبرقوق او خوخ الدب والزعرور والمخلص والاجاص البري والخرنوب واجناس مختلفة من الطرفاء ومن السنط (اكاسيا) والزيتون البري والتفاح البري والعناب واجناس من النبق (الزفرين والعجرم) والقيقب والسماق والبطم والغار والدلب والصفصاف والجوز والحور والميس والزيزفون والمقسيس والدردار والدفلى والجميز والبان والبقس والعليق. وابتدأوا من مدة يزرعون الازدرخت لاستغلال خشبه. اما الجوز والحور والصفصاف فقلما تجد منها في الاحراج بل تجدها على حدودها بالمحلات المسقية وبجانب السواقي وغالبا ً تغرس. اما الجميز فنادر ومفرق في الساحات والمحلات العمومية في منطقة السواحل. فهذه الاشجار والشجيرات منها ما يوجد في كل اقاليم الجبل ومنها في الساحل فقط او في الوسوط ومنها في الجرود. وتجد بعضا ً في اعاليه كالارز والشوح في غابة اهدن وغابة الضنية وانواع من السنديان واللزاب (في غابات اهدن والضنية والعاقورة وافقا واعالي الوجه الشرقي) وهو الحائز السبق الآن حيث تجده على علو 2700 مترز فبمجرد ذكر هذه الاشجار يتضح عظم المنافع التي يمكن استحصالها من خشبها كالارز والشوح والصنوبر والسنديان والمحلب والميس والاكاسيا. او من ثمرها رأسا ً او بعد التطعيم كالصنوبر والزيتون والخرنوب واللوز والكرز والتين والزعرور والعناب والغار او من موادها الراتينجية والصناعية.

ان بعض اشجار غابات لبنان كانت معتبرة من الاجانب ومستعملة جدا ً في الخارج فكان الفراعنة وملوك اشور وبابل والعجم يفرضون دفعها كجزية لكن المقام الاول كان يعطى لخشب الارز لصلابته وبقائه. وقد برهنت الحفريات الاشورية التي اجراها المسيو "لايارد" فضل هذا الخشب الذي قام في وجه آفات الدهر نيفا ً وثلاثة آلاف سنة حافظا ً رائحته العطرية ولونه الاصفر الجميل. وغني عن البيان ان الارز المذكور آنفا ً هو ارز لبنان واكبر شاهد على ذلك ما يوجد منه الى الآن في بعض المحلات اذ ينتج وينمو معطرا ً تلك الارجاء برائحته الزكية. واحراج الارز هذه هي حرج بشراي الشهير على علو 1925 مترا ً. وغابة الضنية في اعالي قرية سير شمالي الجبل تعلو 1900 متر يسمونه طنوبا ً. وتحتوي ايضا ً هذه الغابة على شجر الشوح والشربين والبلوط وتعد من اجمل غابات بلادنا بحسن مركزها ونموها واتساعها وحجم اشجارها. لكن اكثرها على ما اعلم ذهب ضحية المنشار والنار. ويتلوها حسنا ً غابة اهدن وغابة الحدث في قضاء البترون وغابة اخرى بالقرب من الباروك في قضاء الشوف ويسمونه الأبهل. وقد زرع منه حضرة الآباء اليسوعيين في تعنايل فافحلوا. ومعلوم ان ساق الارز تمتد كثيرا ً بالعرض فيكبر حجمها ويصبح خشبها صالحا ً لمنافع كثيرة ولهذا اتسعت تجارته في القديم اذ كان يستعمل في الأبنية وفي الفنون الجميلة كالتماثيل والاعمدة وفي الجسورة وعوارض البيوت وتصفح به الجدران فاستعمله البابليون والاشوريون والاسرائيليون في بناء هياكلهم وقصورهم كما فعل سليمان الملك حيث اشغل نحو 10000 فاعل في قطع اشجار ارز والشوح من احراج لبنان لاستعمال خشبها في هيكل اورشليم العظيم وكان ينقل الى مصر ويعمل منه اثاث البيوت وخصوصا ً التوابيت.

آفات احراج لبنان: ان آفة غابات لبنان الكبرى كانت الحروب فجردته من اشجاره وكفى ما اقتضته ترسانات صيداء وجبيل وطرابلس من الاشجار الجميلة العظيمة. الا انه لحسن الحظ اتى الرومانيون فاوقفوا الخراب هذا وسنوا قوانين تنظم قطع الاشجار حافظين لنفسهم الحق باستثمار اربعة اصناف منها كما يستدل على ذلك من كتابات لأدريان الامبراطور التي وجدت في الجبل فجاءت هذه السنن الحكيمة اكبر مساعد على حفظ الغابات. وبالوقت ذاته يسرت للاهالي والحكومة معا ً الانتفاع من محاصيلها لان الرومانيين مع اباحة قص باقي الاشجار الغير المحفوظة لهم كانوا يخضعون هذا القص لشروط معلومة بنوع ان الغابات تبقى مصونة بل تتجدد رغما ً عن زيادة عدد السكان وتوسيع منطقة المزروعات. فلما اسحب الرومانيون عاد الخراب فحل بشدة اوفر من ذي قبل لعدم مراعاة اصول الاستثمار الواقية فكانت الترسانات خصوصا ً ترسانة طرابلس تستمد منها لوازمها.

ودام هذا الحال بل تفاقم بسبب اتساع صناعة تعدين الحديد التي كثر انتشارها في الجبل في نواحي كسروان والمتن والشوف في القرون الوسطى حتى اوائل القرن الماضي. ومتى علمت انهم يقدرون بألف وسبعمائة كيلو من الحطب الكمية اللازمة لاستغلال مائة كيلو من الحديد لا يصعب عليك ادراك ما أتلف من الغابات من جراء صناعة التعدين.

ولما كان السكان يتزايدون ويلزمهم الكلس لابنيتهم انتشرت الاتاتين في الجبل وزادت في دمار الاحراج لانه للحصول على ستة قناطير من الكلس يلزم كمية من الوقود لا تقل عن خمسة قناطير.

ومن آفات غاباتنا ايضا ً المفاحم. لكن الضربة الكبرى القاضية هي الماعز فانها تسطو على كل اقسام الشجرة فتجرد ساقها وتأكل فروعها النضرة وتنتصب على اقدامها فتبلغ رأس الاغصان وتعدمها فتمنع هكذا نمو الاشجار.

وهل يمكننا طرق هذا الباب دون ان نذكر مع شديد الاسف الفناء والدمار الجاري الآن بجد متتابع في تلك الاحراج. ورب معترض يقول ان للضرورة احكاما ً. فلا ننكر ذلك ولكن مع الاعتراف بهذه الضرورة والرضوخ لاحكامها ألا يمكن تخفيف ضررها بجعل قطع الشجر منتظما ً صيانة للمستقبل وذلك باستعمال الطرق التي هدى اليها اختبار مزمن يثبته العلم. فمن خصوص الاجناس الراتينجية التي لا تتجدد الا من بذورها يلزم ان تترك حتى تأخذ نموا ً كافيا ً وتصير صالحة لما يقصد منها ومتى أريد استثمارها يعتمد على القص الافرادي فقط اي ان يترك بين كل مسافة واخرى اشجار كبيرة ليتجدد الحرج بها طبيعيا ً (par ensemencement naturel) اذ تسقط بذورها في الارض فتفرخ وتكون محمية من حرارة الشمس بواسطة امهاتها. ولا بد لنموها من هذه الوقاية ومن مساعدة يد الانسان احيانا ً في المحلات التي تبقى خالية. اما الاجناس الاخرى التي تتجدد من جذورها ايضا ً فمع الاعتماد على القص الافرادي الذي يجوز التوسع فيه يقتضي الاعتناء بطريقة القص حتى لا تتأذى الاصول وتبقى سالمة للافراخ المقبل وذلك بان يصير القص مساويا ً الارض او بعض سنتيمترات تحتها وان يبقى الحرج مصونا ً من المواشي ومن الماعز خاصة الى ان ينمو النبت الجديد ويصبح ارتفاعه كافيا ً لوقايته من ضررها. وللحصول على ذلك مع عدم توقيف استغلال الغابات بل بالعكس مع توفيره يقسمونها اقساما ً يصير استثمار قسم منها كل سنة بنوع ان دور القص يعاد بعد مرور السنين المحددة لنتاج الشجر المكون منه الحرج بحسب انواعه ومتطلباته والاستعمال المعد له. غير ان تنظيم القص هذا لا ينفي الاستثمار الجزئي من تشذيب الاغصان عند اللزوم. والتفريد وقطع اليابس والاشواك والانواع القليلة الاثمار.

وفي احراجنا كما تقدم اجناس كالخرنوب والبطم واللوز والغار والملول تنبت اشجارها بذاتها في لبنان. ومن ميزاتها انها تنبت وتنمو في الاراضي القاحلة ولا تحتاج الى عناية خاصة فتجدها في اكثر نواحي الجبل وكانت سابقا ً خصوصا ً الخرنوب متوفرة الا انها تناقضت في السنين الاخيرة.

الخرنوب: هذا الشجر معروف من قديم الزمان في بلادنا وكان العبرانيون يستعملون ثمره لعلف الخنازير ويستخلصون منه الدبس ويتاجرون به مع بلاد مصر ويرسلون اليها من حبوبه فيحمصها المصريون ويشربونها كما نشرب القهوة. وقد جربها بعضهم مؤخرا ً فهيئوها على نسق تهيئة البن ولم يكادوا يميزون بين طعمها وطعم البن. ومعلوم ان دبس الخرنوب مرغوب في ايامنا للاكل ولطبخ التين ويدخل في عمل الحلواء وتستخلصه معاصر عديدة للحاجة المحلية او لارساله الى سائر البلاد العثمانية ويعطي كل قنطار من الخرنوب من 40 الى خمسين رطلا ً حسب جنسه والجنس المعروف بالمقدسي يعطي اكثر من ذلك. هذا فضلا ً عن ان خشب الخرنوب جيد مرغوب وقشره يستعمل للدباغة. وفي اوروبا يستعملون الخرنوب في الصباغة ويعلفون به المواشي ولهذا نرى الاقبال عليه في الاسواق الخارجية يزداد يوما ً فيوما ً وهذا مما يشوقنا الى وقايته من التلف وتوفير اغراسه في احراجنا اذ يمكنا ان نحسبه من الاشجار الحرجية الكثيرة الفوائد ونعتمد عليه كركن لصناعة تربية المواشي.

البطم: اما البطم فهو ايضا ً من اشجار بلادنا تجده بكثرة في احراج لبنان وكان اجدادنا يستخلصون من حبه (القرقش) الزيت فيدخلونه في طعامهم. وللبطم فائدة عظمى تستوجب ان نعيره مزيد التفاتنا عوضا ً عن الاهمال الذي نحن فيه وهو انه يصلح لتطعيم الفستق فلا تخفى على احد منافع تجارة هذا الصنف وعلو اسعاره فلو تحول الى فستق شجر البطم الموجود الآن في احراجنا لحصل الجبل منه على مكاسب تذكر.

اللوز: واللوز يمكن تطعيمه بانواع جيدة والانتفاع بثمره.

الغار: اما الغار فيستخرج من ثمره زيت عطري يستعمل في المصابن وله رواج ايضا ً عند اصحاب الاجزاخانات.

الملول: اما الملول فما عدا منافعه المألوفة له فائدة لا نقل عن سواها اذ عندنا منه نوع يصلح ان يطعم كستنة وكثيرا ً ما استعمله في القرن الماضي لهذه الغاية اهالي الجزائر في افريقيا فنجحوا. ولنا صالح خصوصي لاستعماله هكذا لان اراضينا هي غالبا ً كلسية فلا تنجح فيها الكستنة.

فبالانتباه لهذه الاجناس وصيانتها نحصل على ربح اعظم من نتاجها الحرجي المقتصر عليه بل انها تستحق ان يفرز لها قسم من احراجنا.

منفعة الغابات: ان الحصول على النتاج ليس هو السبب الوحيد الذي يدفعنا الى الاهتمام بالغابات بل هناك اسباب اخرى اكثر نفعا ً سواء كان لصالح الجبل ذاته او لعموم بلاد سوريا اذ لا يخفى عظم منافع الغابات ان كان من جهة المناخ او تكوين الينابيع او نجاح الزراعة فقد بين المسيو اليزاي روكلو عمل النبات بالنسبة الى الرطوبة فانه بعد اخذه نصيبه من مياه المطر يساعد على نفوذ ما فضل عنه الى اعماق الارض. فاوراق الاشجار مثلا ً تخفف وطاة سقوطه بان تصبه نقطة نقطة على الارض فتبتل به وتتشربه شيئا ً فشيئا ً ولولا ذلك لانحدرت هذه المياه وجرفت في مسيرها التربة واذا كانت التربة نباتية يبلغ الماء اعماقها لا سيما اذا كانت محروثة فينزل المطر شابيب. ومن عادة التربة الزراعية المتركبة من بقايا النبات والحيوان ان تمتص كمية عظيمة من المياه لتغذي بها النبات وليس احد يجهل تأثير الاحراج في رطوبة الهواء والمناخ وتحسين حالة الجبل كمركز اصطياف مع ما يحصل عن ذلك من الارباح المختلفة. فيجب علينا اذا ً المبادرة الى صيانة هذه الاحراج بتنظيم استثمارها حسب نوعيتها فتتمكن حينئذ من الانتفاع من جناها دون ان نحرم الجبل وسوريا من منافعها الجمة. ان مساحة الاراضي الحرجية في الجبل قبل الحرب كانت تعدل 25 بالمائة بنسبة مساحته وبينها قسم من غير ادنى فائدة لكن هذه المساحة نقصت فيما بعد. واذا استمر القص جاريا ً كما هو الآن بدون اقل احتراس فنخشى جدا ً من ان ينتشر الدمار في غاباتنا وتزيد توسعا ً البقع الصلعاء الخالية من التربة حيث لا يشاهد الا صخور جرداء تتخللها الاشواك والبلان فتنضب العيون والينابيع. وبالختام نقول ان غرس الاحراج في الاراضي المنحدرة والاراضي القاحلة يعد كخدمة وطنية بل كعمل خيري.

2- المزروعات


كان سكان لبنان الاولون يستثمرون الغابات ويزرعون لمعاشهم بعض الاودية والسواحل. ولما زاد عددهم بعد دخول الرومانيين اقتضى الامر ان يوسعوا نطاق مزروعاتهم ليضمنوا اسباب معيشتهم. فيمكنا القول ان تعدد السكان في الجبل وامتداد الزراعة وتقدمها كان في عهد الرومانيين فمن ذاك العهد ابتدات آثار الزراعة وباشروا باستعمال ادواتها كما اكتشف عليها وكان الرومانيون يرغبون المزارعين بغرس الكرم والزيتون يقودهم الى ذلك ما عرفوه من موافقة الارض لهذه المغروسات فأتت النتيجة محققة لآمالهم. واخذت الزراعة بالاتساع شيئا ً فشيئا ً ممتدة الى السهول منتفعة من اشغال الري التي احدثها الرومانيون اولئك البناؤون الجبابرة. وتتابع هذا التقدم مقرونا ً بازدياد عدد السكان بالغا ً اوج الكمال في النصف الثاني من القرن الماضي. ولا عجب من ذلك مع ما نعرفه من حسن موقع جبلنا وهو كما كتب فولنه يحوي ضمن حدود ضيقة مناطق مختلفة لا توجد في غيرها من البلاد الا متفرقة ً على مساحة واسعة وذلك نتيجة ارتفاعه المتسلسل فوق سطح البحر فهو جامع للاقاليم الحارة والمعتدلة والباردة وتنمو فيه زاكية ً النباتات المختصة بهذه الاقاليم المتباينة كما اتضح من قائمة بعض النبات المتتألفة منه غاباتنا. وسنرى ان النبات الزرعي لا يقل عن ذلك تنوعا ً. وهذا كما لا يخفى من اكبر التوفيق الذي انعم علينا به البارىء تعالى فان تعدد وتنوع اجناس النبات يجدي الزارع نفعا ً عظيما ًيستغني به عن كثير من محصولات البلاد الاجنبية من مزروعات واشجار مثمرة واخشاب وفي كل ذلك ايرادات لا يستهان بها اذ انها تفتح ابواب الرزق وتوفر اسباب الغنى. ولكن مهما كان الامر فلا بد من الاعتراف بان مواطننا بلاد جبلية تقضي بان يعطى فيها المقام الاول للاحراج والمشجرات فعلينا بصيانتها وتنظيم استثمارها وتوفير غرسها فنحصل على منافع جمة يمكن ان نجنيها منها رأسا ً او بتحويلها وذلك لا يغنينا عن الانصباب على الزراعة وتفرعاتها لتأمين معيشتنا فوجب ان نعيرها اشد اهتمام. ان اكبر شاغل للبنانيين هوالزراعة وكانت محدودة سابقا ً فوسعوها تدريجا ً وتمكنوا بجدهم ومثابرتهم على العمل ان يغيروا حالة جبلهم فاكسبوا الزراعة قسما ً من مشارفه وتوصلوا الى آكامه فنقبوا الارض وحملوا التراب الى المحلات التي جرفتها السيول وكونوا فيها مزدرعات خصبة وما اقتصروا على ذلك بل تعرضوا بكدهم للصخور واقتلعوها باللغوم واستبدلوها بمسطحات (حفافي) ملأوها اتربة جيدة التقطوها من حواليهم. واذا القيت نظرك على الجبل رأيت جانبا ً منه تشغله الغابات وجانبا ً مكونا ً من وعور جرداء نتيجة قطع الاحراج المتتابع بشدة من غير تعويض وجانبا ً آخر مكسوا ً بالمشجرات المنتصبة على سطوح صناعية. فمن البديهي ان اللبناني لم يغفل عن زراعة سهول الساحل المتكونة من جرف الأنهار والبحر فاقام فيها بساتين وجنائن اكثر فيها من زرع الاشجار المثمرة والبقول ونشطه على ذلك تحسين وسائط النقل بفضل امتداد طرق العربات بحيث تيسر له نقل محصولاته الى المدن والمراكز الجامعة مع زيادة مقطوعية هذه المحلات. ولا بد لنا ان نذكر هنا ان اجدادنا انتبهوا قبلنا الى منفعة استثمار هذه السهول. فضواحي طرابلس وجبيل وصيداء كانت عامرة بالبساتين والجنائن منذ القرن العاشر يزرعون فيها اجناس الليمون وقصب السكر والموز والنخيل الخ. والخضر المختلفة كما ذكر الرحالة نصري خسرو.

منفعة المياه للمزروعات: ان الذي يسر للبناني توسيع المزروعات في الجبل هو حصوله على المياه اللازمة تمده بها نواعير عديدة انشأها وصرف عليها مبالغ. فهذه المزروعات المسقية تعطيه ارباحا ً وافرة واحسن باب للارتزاق هو توسيع مناطق الري لان له شأنا ً عظيما ً في نمو النباتات خصوصا ً في البلاد الحارة. وتعليل ذلك هو ان الجذور وان كانت قوية الامتصاص من الارض فليست قوتها كافية لامتصاص كل المواد التي تغذي النبات بل يساعدها على ذلك الماء فالماء اذا كان منتظما ً كافيا ً يحلل دائما ً المواد القابلة التحليل الموجودة في الارض واللازمة لجذور النباتات ويقربها اليها. وللماء مفعول آخر وهو انه يخفف وطأة الحرارة الزائدة ويقي من ضررها. وله سوى ذلك منفعة خصوصية تتأتى من تركيبه الكيموي. فان للماء قوة على تحليل الجوامد والغازات ولهذا لا نجد الماء صرفا ً في الطبيعة بل يحتوي على مواد محللة فيه ومواد محمولة به. فالمواد المحللة فيه منها غازات يمتصها من الهواء ومنها املاح معدنية يأخذها في مسيره. فالغازات هي الحامض الكربونيك والاكسجين والامونياك. والمواد المعدنية هي املاح الكلس والصوداء والبوتاس ومركبات الفوصفور الخ. وعلى هذه العناصر يتوقف اكثر نمو النبات. ويزيد مياهنا نفعا ً املاح نيترات البوتاسا التي يكتسبها بمروره على الصخور الكلسية المركب منها جبلنا والتي بامتزاجها مع الارض الصلصالية الكثيرة الوجود في سواحلنا تجعلها من اجود الاراضي الزراعية. وعدا عن هذه المواد المحللة يحتوي الماء ايضا ً على مواد أخر يحملها بل يجرفها من الاراضي التي يمر فيها كما بينا سابقا ً. فاذا استفدنا من مياه ينابيعنا وانهرنا نضمن لمزروعاتنا منافع الري بكلف طفيفة. ولهذا ما كان اعظم سرورنا لما رأينا في السنين الاخيرة افكار المتنورين من مواطنينا ً متجهة الى هذا الموضوع كاهتمامهم بمشاريع نهر ابراهيم ونبع العسل وعين الدلبة والباروك ونتمنى ان تأخذ هذه المشاريع دورا ً مهما ً من القول الى الفعل.

الآلات الزراعية: ان تربة الجبل هي عموما ً خصبة وان كانت في بعض المحلات قليلة العمق ويعيرها اللبناني كل اهتمامه ويشتغلها بكد وثبات. لكنه لو استعمل الآلات المستحدثة ولو كان اشد حرصا ً على تحسين عاداته السابقة لكان يحصل باقل عناء على منافع اوفر. فلا ننكر ان الزراعة لم تزل عموما ً في حالة متأخرة: هاك محراثنا فانه هو المحراث الذي كان يستعمل في بلادنا منذ ثلاثة آلاف سنة بفتح اثلاما ً خفيفة يشق الارض فقط دون ان يقبلها لان الزرع لا ينبت سريعا ً ولا ينمو بسهولة الا بتواتر حرث الارض وقلبها وبذلك تكون جواهرها معرضة للتأثيرات الجوية فيدخل فيها مقدار زائد يتحول الى تغذية النبات بواسطة الماء فينبغي اذا ً ان تعتبر كل حرثة كسماد بتعريضها الارض للمآثر الجوية فيلزم ان تحرث الارض حرثا ً جيدا ً ويكرر حرثها ما امكن ذلك مع ترك الارض بعد كل حرثة مدة من الزمن حتى تؤثر فيها الاشعة الشمسية تأثيرا ً تنتج عنه الفائدة الكيموية الطبيعية التي ذكرناها.

وكما ان الحرث هو ضروري للمزروعات فكذلك العزق لتنقية الارض من الحشائش والاعشاب المضرة. ولم تفت زراعي بلادنا منفعة تكثير الحرث وقد شاع عندهم المثل السائر: كل سكة لها غلة. وليس مرادي هنا تحديد عدد تكرير الحراثة ولا مقدار عمقها فذلك يختلف حسب طبيعة التربة ونوعية الزرع. ولا اطلب من زراعينا المغالاة في الفلاحة مع ما تقتضيه من الآلات والاساليب المستحدثة المتممة لكن يمكنهم دائما ً اتخاذ سكة احدث من السكة المستعملة الآن وتكون ذات قلاب يرفع الارض ويقلبها ظهرا ً لبطن.

1) المقطع او السيخ (Coutre ou couteau) يشق الارض عموديا ً
2) السكة او السنة (Soc) تشق الارض افقيا ً وترفعها
3) المقلب (Versoir ou Oreille) بقلب التراب الذي شقه المقطع ورفعته السكة.

ومما يوفر عليهم مزيد العناء وضياع الوقت استخدامهم الصفائح المسننة (Herse) لعزق الارض وتفتيتها ولطمر البذار. ويمكنهم ايضا ً استعمال آلة اخرى المحالة (المحدلة) لترصيص الارض وصقلها. فتصبح التربة هكذا اكثر قابلية لحفظ الرطوبة. ويمكنهم ايضا ً انتقاء البذور. معلوم ان النباتات مثل الحيوانات تتوارث الصفات من اصولها طيبة ً كانت او رديئة فعلى ارباب الزراعة ان يعتنوا لانتقاء البذور والاجناس التي يزرعونها. ويلزم تنسيق المزدرعات فان زراعة جنس واحد مع استمراره في ارض واحدة توجب نضب الحاصلات ووهنها.

السماد: خواصه وانواعه: ثم يمكنهم ان يحسنوا استعمال السماد. وكل يعلم ان الارض تضعف من تعاقب المزروعات عليها ولا ترد اليها قواها الا بالسماد. فالحامض الكربونيك والنشادر هما جوهران لازمان لخصوبة الاض ويكثر وجودهما في جو المناطق الحارة وتستمدهما الارض من مياه الامطار ( والمطر في بلادنا كاف واف) ومن الندى ومن مياه الري حيثما تيسر ذلك كما بيناه اعلاه. وكذلك النباتات تمتص شيئا ً عظيما ً منهما بسوقها ومسام اوراقها فضلا ً عن ان بعض النباتات كالقطاني او القرنيات مثل الباقلا والفول واللوبياء الخ. تمتص النيتروجين من الهواء بواسطة ما يعلق على جذورها من دقائق النباتات الفطرية ولهذا فان تنسيق المزدرعات وتعاقب زرع القطاني من زرع الحبوب يزيد الارض خصبا ً اذ لا يخفى ان النيتروجين من ألزم مواد السماد حتى ان قيمته تقدر بمقدار ما فيه من النيتروجين. اما السيليكات والبوتاسا والفوسفات فيوجد منها في جميع فضلات الطيور والرماد وعظام الحيوانات. ثم ان زبل الحيوانات عموما ً جامع كل هذه المواد وتكون جودته اكثر او اقل حسب طريقة حفظه وكيفية استعماله. ومن الاصول التي لا نزاع فيها عند علماء الزراعة ان خصب الارض انما هو بجودة السماد وليس بكثرته او بقلته وان جميع النباتات تزهو وتخصب عندما تجد مواد كيموية تتركب منها عناصرها. فنظرا ً لقلة المواشي في الجبل وعدم امكان الحصول فيه على الكميات الكافية من السماد علينا ان نجتهد بالحصول على اوفر ما يمكن منه مع توفير نفقاته ولهذا وجب علينا ان لا نتلف المواد التي تحتوي على العناصر المسمدة ايا ً كانت كالاعشاب التي تقلع من الارض وورق الاشجار المتساقط واصول الخضر والرماد وكناسة الطرقات وفضلات البيوت ودم المجازر والعظام والقاذورات والبول فيتركب عن هذه النفايات مختمر. ولا بد لذلك من حفرة تجمع فيها النفايات فتوقى من حرارة وتسقى حينا ً بعد بعد حين ويضاف اليها شيء من الجير الحي فتختمر اجزاؤها وبذلك يحصل في بضعة شهور على مقدار وافر من السماد الجيد المحتوي على المواد المخصبة التي ذكرناها. ولم تفت زراعينا فائدة السماد المختمر ولو جهلوا سببها فتراهم يفضلون الزبل "النكوب" المخمر نوعا ً على الزبل "الفرفور" الفاقد قسما ً من مواده بتعرضه لحرارة الشمس. وحيث ألمعنا اعلاه الى استعمال العظام فيناسب ان تحول انظار زراعينا اليها لان العظام من انفع ما تدمن به الارض ويمكن الحصول عليها بكثرة ولها في البلاد الاخرى مطاحن يطحنونها بها وينتفعون من دقيقها لدمن الارض. وانواع استعمالها مختلفة: فاما ان يخمروها كما سبق او ان يضعوها في براميل ويوضع معها شيء من رماد الحطب بحيث تكون منضدة طبقة من العظام وطبقة من الرماد ثم طبقة من العظام ثم من الرماد وهلم جرا ً ويصب عليها قليل من الماء كل مدة لكي تبقى رطبة. فلا يمضي وقت طويل حتى يتخللها الفساد فيحللها ويفتتها. ومنهم من يطمرونها بحفر تصنع بجانب الاشجار. انما فائدة هذه العظام الغير المكسرة لا تظهر سريعا ً لكنها تدوم سنين عديدة. ومنهم من يسحقونها في المزارع ذاتها (وكل بيت يحتوي على محدلة يمكن استعمالها لهذه الغاية) وتدمن بكسرها الاشجار والبقول والحبوب على انواعها وهكذا تكون منفعتها قريبة. ويكفي منها القليل لئلا تضر بالنبات.

ويمكن الزراع ان يختاروا خصوصا ً الاساليب المستحدثة في مزروعاتهم الصناعية ليجنوا منها حاصلات اجود واوفر. فباتخاذ هذه الوسائط المستجدة مع ما يأتيه من زيادة الارباح الناتجة عن توسيع انشاآت الري حيثما امكن ذلك ومن التسهيلات والتوفيرات في النقل بامتداد طرق المواصلات يحسن اللبناني حالته. ولا بد له لتأمين معيشته من الاهتمام بالزراعة والعدول عن الطرق القديمة واستبدالها بالمستحدثة. قد عدلوا ان محصول لبنان من الاغلال لا يكاد يفي بمؤونه الجبل ثلاثة او اربعة اشهر في السنين الجيدة فبتحسين اللبناني مزروعاته ان لم يمكنه سد عوزه يضمن لنفسه على الاقل مدة اطول لتأمين معاشه.

ان الطبيعة ما بخلت عليه بانعاماتها فعليه ان يساعدها. ويمكنه ايضا ً متى اعتنى باستخدام المياه التي يفيضها عليه جبله ان يدخل بعض المزروعات الاجنبية فتزيد ارباحه.

المحصولات الزراعية

 

 


Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved


Advertise | Terms of use | Credits