Back Home (To the main page)

Middle East fine art store

 

Sections

About us

Contact us

 
 
Home > Panoramic Views

الآثار القديمة في لبنان - منشورات الجامعة اللبنانية - (تابع)

4- الآثار الاشورية في لبنان

ولما انتقض حبل الدول المصرية في سورية وضعفت قوى الفراعنة عن تدبير احوالها انتهز ملوك بابل الفرصة لوضع يدهم عليها فزحفوا اليها بخيلهم ورجلهم وقهروا ملوكها وفتحوا حصونها وكانت اول غارتهم على بلاد الشام في القرن الثاني عشر قبل المسيح في عهد تغلات فلاسر الاول احد كبار الفاتحين للبلاد ثم عادوا اليها بعده في ايام سلمناصر ونبويولاصر وتغلات فلاسر الثاني وسرغون واسور بني بال ونبوكدنصر وسنحاريب فكبحوا مرارا ً ثورة اهلها وكان الوطنيون يترصدون امور الاشوريين فاذا استشعروا بضعفهم او بتغاضيهم عن احوالهم عمدوا الى الفتن ليفوزوا بالاستقلال.

وقد بقي في لبنان من عهد الاشوريين بعض الآثار الدالة على ثبوت قدمهم فيه. فمن ذلك ما يرى في مضيق نهر الكلب بجوار الآثار المصرية السابق ذكرها فان هناك خمس او ست صفائح اشورية تمثل تصاوير وكتابات شتى لملوك بابل الذين قطعوا النهر في ذلك المكان. فالكتابات بالقلم المسماري مضمونها تاريخ غزوات جيوش الاشوريين للقطر المصري وقهرهم لسواحل فينيقية. ومع الكتابات صور ملوكهم بازيائهم الفاخرة. اخصها رسم لاحد ملوك اشور ذي لحية طويلة مجعده وهو لابس رداء سابغ الذيل وعلى رأسه تاج ملوك اشور. وفي يده اليمنى مقصرة يسندها الى صدره. واسماء الملوك المدرجة في كتاباتهم وهم: اشور ريسيزي (1150ق. م) ثم تغلت فلاسر ثم سنحاريب وشلمناصر وآخرهم ايسارحدون ونبوكد نصر الثاني.

ومنها ايضا ً اثر آخر اكتشفه الاب هنري لامنس اليسوعي في جبل اكروم المتفرع من لبنان جنوبي غربي حمص فوصفه في كتابه تسريح الابصار في ما يحتوي لبنان من الآثار ( 196:2) واثبت هناك رسمه وهو نصب في واد حرج حيث يسيل جدول ماء يدعى نهر السبع. والنصب مربع الشكل تنيف جوانبه على مترين ترى فيه صورة أسد ناصب قائمتيه ليفترس رجلا ً بازائه حاول مصارعته والمصارع مشتمل بشملة تنفرج على صدره تراه قابضا ً على فك الوحش. والصورة بلا شك لملك اشوري تصدى لمقاتلة الاسود في تلك الجبال وكانت الاسود في ذلك العهد تأوي الى جهات لبنان فيخرج لمصارعتها واصطيادها ذوو البأس. وقد كان المسيو بونيون قنصل فرنسة في حلب عثر قبل ذلك بنحو عشرين سنة بأثر آخر شبيه بأثر أكروم وذلك في وادي بريسة على مسافة عشر كيلومترات من الهرمل في شمالها اعني في وسط لبنان. والاثر عبارة عن نصبين لنبوكدنصر الثاني على احدهما صورة الملك يصارع اسدا ً ومع الصورة كتابة اشورية حلها المسيو بونيون والمرجح ان نبوكد نصر امر نقر هذا الاثر وقت اقامته في ربلة لما جاء لمحاصرة صور وتدمير اورشليم سنة 587 ق. م. وربلة هذه جنوبي بحيرة حمص. وبين اثر اكروم واثر بريسة مشابهة عظيمة دالة على انهما كليهما لنبوكدنصر.

ومما اكتشفه الاب سبستيان زنرفال في راس العين عند نهر قب الياس على مسافة نصف ساعة منها في ملك يوسف افندي قيقانو نصب اشوري قديم منقور في صخر عال يمثل شخصا ً واقفا ً على طوله الطبيعي مرتديا ً بثوب طويل ترى من تحته رجلاه في يده اليسرى مقصرة او صولجان اما اليمنى فيمدها الى الامام. والغريب في هذا التمثال ان رأسه رأس نسر ليس بشر وقد وصف الاب المذكور هذا النصب مع صورته في مجموعة المكتب الشرقي في كلية اليسوعيين ببيروت السنة الاولى منها وكان يؤمل بوجود كتابة تفيده شيئا ً عن هذا الاثر فخاب امله.

ومن الآثار الاشورية بعض النواويس التي وجدت في صيداء وجوارها في مغارة عبلون نحتت على شبه النواويس البابلية فذكرها رينان في كتابه بعثة فينيقية.

ويضاف الى هذه الآثار بعض الأعلام التي تدل على اصل اشوري كالأعلام المركبة من اسماء آلهة يعبدها الاشوريون كسين اله القمر ونبو احد معبوداتهم ففي لبنان دربسين (اصلها داربسين) بقرب صيداء وكفرياسين في جبل سمعان وقصر نبا شمالي زحلة. ومن الاعلام المشعرة باصل بابلي كفر نمرود في بلاد جبيل. وكسارا اي الكرم بالقرب من مدينة زحلة.

وكذلك يسوغ لنا ان نذكر هنا دليلا ً آخر على الآثار اللبنانية ألا وهو ارز لبنان الذي اتخذه الاشوريون لابنيتهم فنقلوه من لبنان وقد وجد منه الاثريون قطعا ً في حفريات بابل كما ورد ذكره في كتاباتهم.

5- الآثار الفينيقية

غلب الفرس الاشوريين فخلفوهم في تملكهم على سورية ولبنان فولوا عليهما مرازبة ً كانوا يعنون بتدبيرهما على ان آثار الدولة الفارسية كلها بائدة لم يبق منها شيء. وفي عهد الفرس اخذ الفينيقيون ينشطون للعمل بل تمكنوا من الحصول على نوع من الاستقلال لانشغال ملوك الفرس عنهم ولمساعدتهم باساطيلهم في حروبهم كما حصلوا سابقا ً على استقلال وقتي في ايام الفراعنة والاشوريين لا بل وجدوا في ملك الفرس كيروش وخلفائه مراعاة ً وحسن معاملة أنهضت بهممهم الى توسيع نطاق تجارتهم وملاحتهم فعمروا السفن والاساطيل وخاضوا البحار وانشأوا المستعمرات البعيدة في جهات افريقية واوربة كقرطجنة وطرشيش ومرسيلية. ومع ادائهم الجزية لملوك فارس أتيح لهم ان يقيموا لهم ملوكا ً على معظم المدن الساحلية كالبترون وجبيل وصيداء وصور وبقوا على ذلك الى زمن الاسكندر اعني مائتي سنة بنيف.

وفي هذه المدة توفرت الآثار الفينيقية التي اكتشفها العلماء فنقلوها الى متاحف الاستانة العلية وباريس ولندن وبرلين. ومما يقال بالاجمال عن هذه الآثار ان المسحة المصرية والمسحة اليونانية تظهران فيها غالبا ً بحيث لا تكاد تجد بينها اثرا ً من الصناعة الفينيقية المحضة الا وفيه لمحة من تقليدهم لاعمال المصريين او اليونان. وها نحن نتتبع هذه الآثار مباشرة بتخوم لبنان الجنوبية ومنتهين الى الشمال.

صور - اول مدينة تستلفت اليها ابصارنا انما هي صور احدى حواضر الفينيقيين ومعنى صور الصخرة لمناعتها. كان الفينيقيون يدعون ان الهتهم الكبيرة عشتروت ولدت في صور وان قرينها الاله ملكرت كان مالكا ً على مدينتهم. ولصور تاريخ مطول وسلالة ملوك اشتهروا منذ القرن الحادي عشر قبل المسيح منهم ابيبعل كان معاصرا ً للملك داؤد وحيرام ابنه الذي استحضر لسليمان اخشاب الارز لبناء هيكل اورشليم وكانت صور تقسم الى قسمين قسم في البر وقسم في البحر كان جزيرة ً منيعة ً تبعد ميلا ً عن الارض بقي في حصارها نبوكدنصر ثلاث عشرة سنة. وبلغت صور اوج الحضارة في ايام عزها بعد ان غلبت صيداء وقبل ان يحل بها الدمار كما ترى في وصفها في سفر حزقيال في تلاثة فصول من نبوءته وهي ال 26 و27 و28 حيث اتسع في وصف زهو صور ورفعة شأنها.

اما آثار صور فقد استولى الخراب على كثير منها لما جرى فيها من التقلبات وحكم الدول المختلفة ولا سيما الزلازل التي ألحقتها غير مرة بالحضيض. ولما جاء رينان في سنة 1860 موكولا ً من قبل حكومته للبحث عن عاديات فينيقية اجرى في صور حفريات شتى لعله يعثر على شيء من آثارها القديمة فلم يسعده الحظ الا على النزر القليل منها.

ومما يشهد التاريخ بعظم شأنه هيكل معبود الصوريين ملكرت اي ملك المدينة يريدون به البعل اله الفينيقيين وخصوصا ً بعل صور اذ كان لكل مدينة بعلها. وهذا الهيكل كان من الابنية العجيبة التي كان القدماء يتقاطرون لزيارتها وممن زارها هيرودوتوس المؤرخ في اواسط القرن الخامس قبل المسيح وهو يدعوه هير وقليس لزعم اليونان بان هير وقليس هو الاله ملكرت بعينه قال: "وكان هذا الهيكل مزينا ً بتحف لا تحصى ومن جملة نفائسه عمودان احدهما من ذهب والآخر من لازورد وكان يظهر منه ليلا ً نور ساطع". وكان هذا الهيكل في جزيرة صور وكان للاله هيكل آخر في البر دونه ولم يبق من الهيكلين اثر البتة.

ومما صبر اثره على كوارث الزمان ما يدعوه اهل صور بقبر حيرام وهو بناء قديم فينيقي الأصل على خمسة كيلومترات من صور شرقيها. وهو بناء ضخم علوه ستة امتار بنيف على شكل مخروط مربع الجوانب في اسفله حجارة كبيرة طولها اربعة امتار في عرض مترين و70 سنتيمترا ً وسمك 90 س يعلوها شبه ناووس غطاؤه هرمي الشكل. فهذا كان بلا شك لأحد اعيان البلد اما نسبته الى حيرام فلا سند لها غير اوهام العامة.

ولصور مدافن اخرى فينيقية قريبة منها في اسفل الجبل المجاور لها وهي عبارة عن مغاور نقرت في الصخور في باطنها اجران لجثث الموتى لاصق بعضها ببعض وكان الفينيقيون يدفنون معها اثاث الميت وادواته غير ان اللصوص انتهكوا حمى هذه القبور فسلبوا اثاثها وبكرور الدهور قد استولى عليها الخراب. وليس هناك كتابة تفيد شيئا ً عن احوال المدفونين وزمنهم.

ومن المكتشفات الفينيقية الحديثة المنبئة بدين الفينيقيين اثر غريب وجد في نواحي صور هو اليوم مصون في متحف باريس وقد بادر الى وصفه جملة من المستشرقين منهم الاب سبستيان رنزفال في مجلة المشرق (8: 164) وفي مجموعة المكتب الشرقي (3: 753 – 804) وهذا الاثر يعرف اليوم بعرش عشترت وهو عبارة عن حجر كلسي حسن النحت طوله 47 سنتيمترا ً يمثل عرشا ً صغيرا ً في جانبيه صورتا ابي الهول المصري بجناحيه. وعلى مسند العرش نصبان متشابهان ناتئان متوازيان ينتهي اعلاهما بشكل القوس. وعلى كل نصب صورة بشر لعلهما عابدان. وتحت حافة العرش المنقورة على الطرز المصري نبات رمزي يشبه بنقشه النقوش المصرية الاشورية التي وجدت سابقا ً في ضواحي صور. وفي اسفل الاثر كتابة بالقلم الفينيقي مفادها ان المسمى عبد بست بن يربعل اهدى سيدته عشترت مقدسا ً اصطنعه لاكرامها. والمقدس هو العرش المذكور لتقيم فيه سواء وضع فيه كما يظن تمثال الالهة او لم يوضع فجعل العرش كمذبح لتكريمها.

وقد وجد في فيع قرية من معاملة الكورة اثر آخر شبيه نوعا ً بالأثر السابق نقل الى متحف الاستانة حيث عني بوصفه الاب رنزفال (في مجموعة المكتب الشرقي ج 5 قسم 2 ص 63-70) والالهة عشترت في هذا الاثر مصورة جالسة على عرشها مكسوة برداء سابغ يدها اليمنى على ركبتها وهي تبارك باليسرى شخصا ً امرد منتصبا ً امامها رافعا ً اكف الدعاء اليها. وفوق رأس عشترت هلال يحدق بكرة. وفي قسم آخر من الاثر صورة نخلة يهجم اليها من جانبيها ثوران محدودبان.

واخطر من هذه الآثار عاديات ام العواميد او ام العمد وهي قرية صغيرة جنوبي صور وجد فيها رينان انقاض هيكل فينيقي قديم ذي مدخل فخيم عليه نقوش منقولة عن نقوش المصريين منها الكرة المجنحة مع الحية الرمزية المعروفة باوراوس (uraeus) ومنها تصاوير شتى كصورة ابي الهول المصري وتماثيل اسود وغير ذلك تقلد فيه الصوريون الصناعة المصرية (راجع كتاب بعثة فينيقية ص: 694-750).

ثم عاد الأثريون فجددوا البحث عن عاديات ام العمد فوجدوا آثارا ً اخرى منها انصاب تمثل رجالا ً ونساء ً من آل فينيقية على هيئات شتى احدهم في هيئة الساجدين رافعا ً يمينه كملتمس الدعاء وهو يمسك في شماله صورة ابي الهول المصرية وعلى رأسه قلنسوة مستديرة يبرز من اسفلها خصل من شعره تغطي عنقه الثخين. ومنها ايضا ً امرأة منتصبة على هيئة السجود تشملها ملاءة تنحدر من اعلى رأسها الى اكتافها بزي حسن. وعلى احد هذه الانصاب كتابة فينيقية تعريبها: (هذا النصب ذكر لبعلتتن بن بعليتين السيد".

وقد اكتشف العلماء ايضا ً بقايا من اساس السور الذي كان يحيط بجزيرة صور وكان المؤرخ اليوناني اريان وصفه وصفا ً محكما ً يؤخذ منه ان السور كان يبلغ علوه نيفا ً واربعين مترا ً وكان اسفله مبنيا ً بالحجارة الضخمة وكان قصر الملك لاصقا ً به يصعد منه الى سطح متصل بطنف مستدير يحدق بالجزيرة. فوجد المهندسون قطعا ً من اساس ذلك السور في البحر.

صيداء - هي صيدون الفينيقية ومعنى اسمها الصيد لوفرة سمكها الطيب الذي كانوا يصطادونه في سواحلها وهو لا يزال الى اليوم مفضلا ً على سواه يستطيبه البيروتيون وينسبها بعضهم الى الاله صيد. وصيداء اقدم عهدا ً من صور والخراب قد مسها مثال جارتها الا ان اخربة صيداء لم تطمس تماما ً والعاديات التي وجدت فيها تفوق على عاديات صور عددا ً وخطراً. والمدينة المعروفة اليوم حديثة العهد بني معظم بيوتها ومعاهدها بحجارة المباني القديمة والانقاض السالفة. اما الآثار القديمة فقد وجدت في بساتين صيداء وحقولها.

وكلامنا هنا عن الآثار الفينيقية اما الآثار اليونانية والرومانية فسنذكرها بعد هذا في فصول خاصة: فمن هذه الآثار آنية مختلفة من الرخام والزجاج الفينيقي والخزف وكذلك اثاث بيوت ومصاغات وحلي مع نقوش حسنة وتصاوير زاهية الالوان وجدت في دفائن الارض ثم نقلت الى متحف باريس وقد رسم صورها رينان في كتاب بعثة فينيقية وزمانها يتراوح بين القرن العاشر الى القرن الثالث قبل المسيح. والتقليد المصري ظاهر في كثير منها.

واعظم شأنا ً من هذه العاديات هيكل الاله اشمون وجد قبل 15 سنة في صيداء في احد بساتينها على منعطف ربوة فوق وادي نهر الاولى قريبا ً من مصب هذا النهر على مسافة ميل ونصف منه وقد عني بحفرياته مكريدي بك مع مهندسين المانيين اخذا رسومه. وهو بناء فخيم كان يحيط به سور مربع مستطيل مبني بنحيت الحجارة طوله من الشرق الى الغرب 60 مترا ً في عرض 44 مترا ً من الجنوب الى الشمال. وهو حرم المعبد كما يرى في هياكل اخرى. وفي وسط السور كان مقدس الاله وهيكله المقام لاكرامه وكان غاية في الحسن والفخامة. وقد بقي منه حائط كان في اساسه منتصبا ً في وجه النهر وهو على اربعة صفوف من الحجارة الضخمة يستند اليها سطح صناعي وثيق وكان الهيكل مبنيا ً فوقه. وفي الحائط المذكور وجدت عدة كتابات فينيقية لبانيه بدعشترت ملك صيدون. وقد وجدوا من هذا الهيكل آثارا ً منوطة بعبادة الاله اشمون لا سيما كتابات تقادم ونذور باللغة الفينيقية. ثم تماثيل اصنام صغيرة من القاشاني مصورة على الطرز الفينيقي القديم تقلد صانعوها في عملها الصناعة المصرية. وهذا الهيكل اول هيكل فينيقي وقف عليه الاثريون الا ان حالته من الخراب لم تسمح لهم حتى الآن بضبط رسمه القديم وهندسته الخاصة. اما خرابه فالمظنون انه وقع في اواسط القرن الرابع قبل المسيح في زمن ارتحششتا الثالث المعروف باوخوس الذي احرقه لعصيان اهل صيداء وملكهم على دولته.

ومن الآثار الخطيرة التي وجدت في صيداء فتستحق الذكر الخاص نواويس ملوكها في القرنين الخامس والرابع قبل المسيح. وكانت اسماء هولاء الملوك مجهولة غالبا ً فافادتنا كتابات هذه النواويس عن سلسلة ستة منهم وكلهم من سلالة اشمنعزر. الذي تولى على صيداء في ايام الدولة الفارسية وهو الاول من اسمه ويدعى كخلفائه ملك صيدون وكاهن عشترت. ثم خلفه ابنه تبنيت. فتزوج تبنيت هذا اخته عمعشترت كاهنة عشترت ووصية ابنها وهو اشمنعزر الثاني الذي مات حدثا ً وله من العمر 14 سنة ثم ملك صدقيتن ثم ابنه بدعشترت حفيد اشمنعزر الاول.

والنواويس الملوكية التي اكتشفت ثلاثة: اولها ناووس اشمنعزر الثاني وقف عليه العلامة الفرنسوي الدوق دي لوينس (Duc de Luynes) سنة 1856 فاقتناه بماله واهداه متحف اللوفر في باريس بعد ان شرح كتابته الفينيقية التي اولها: " انا اشمنعزر ملك صيدون ابن تبنيت ملك صيدون وحفيد اشمنعزر ملك صيدون امي عمعشترت الملكة وابنة اشمنعزر ملك صيدون. قد شيدنا هياكل للآلهة. ودعت الحياة في عز شبابي" وفي شباط من السنة 1887 وجد في بستان آخر لاحد وجوه المسلمين في صيداء مدفن غيره استخرج منه حمدي بك مدير المتحف السلطاني في الاستانة من جناب المهندس بشارة افندي عدة نواويس فاخرة كان في اقصاها عمقا ً ناووسان ملكيان احدهما لتبنيت ملك صيدون ابي اشمنعزر الثاني قرأ العلماء كتابته الفينيقية على هذه الصورة: "انا تبنيت كاهن عشترت وملك صيدون مضجع في هذا القبر. اياك ان تفتح قبري هذا اذ ليس فيه لا ذهب ولا فضة ولا كنوز. وعسى من ينتهك حرمة قبري ان لا يجد له ذرية تحت الشمس ولا راحة في قبر". والناووس الأخر على شكله الملكة عمعشترت.

وهذه النواويس الثلثة من الرخام المصري الفاخر نقلت الى صيداء وكانت اولا ً لبعض ارباب مصر فابتاعها الفينيقيون وافرغوها من جثتها الاصلية ومحوا كتابتها الهير وغليفية فبدلوا منها كتابة فينيقية لملوكهم وهذه النواويس منحوتة على الطريقة المصرية في جوانبها نقوش شتى وغلافها يمثل جثة رجل مضجع (Anthropoide) مقنع الرأس يمد يديه الى جانبي جسمه وهو ملون بالوان شتى. اما الجثث الملوكية فكانت محنطة على شبه الموميا المصري.

ولحسن الطالع لم ينتهك اللصوص حرمة ناووس تبنيت كما فعلوا بسواه ولذلك كانت الحلي والاثاث المدفونة معه باقية في تمامها وحسنها كان في جملتها تاج الملك من الذهب الابريز وسبيكته عريضة لينة وفي جانبيه ثقبان. ووجدت في الناووس ايضا ً قلائد من ذهب واساور مع حجارة كريمة تزينها ثم خلاخل ودمالج وأقرطه كلها انيقة العمل بديعة الحسن.

وفي هيكل اشمون السابق ذكره كتابة افادتنا عن بقية ملوك صيدون من ابناء اشمنعزر على هذا النحو: "الملك بدعشترت ملك الصيدونيين وابن صدقيتن ملك الملوك حفيد الملك اشمنعزر ملك الصيدونيين... بنى هذا الهيكل لمعبوده اشمون".

وفي المدافن المذكورة وجدت نواويس غيرها احدث عهدا ً من الطور اليوناني مع عاديات اخرى عديدة نذكرها في جملة الآثار اليونانية. وقد وجدت ايضا ً في بساتين صيداء والنواحي القريبة آنية متقنة من الشبه والنحاس عليها نقوش فينيقية تأخذ بالبصر. وكان الصيدونيون مشتهرين بصنع هذه الآنية منذ الاجيال القديمة فان الشاعر هوميروس وصف في الالياذة كاسا ً فينيقيا ً جعله البطل اخليوس جزاء في سباق الخيل. وفي متاحف اوربة منها شيء صالح كقدح مدينة بالسترينا الذي وصفه الاثري كليرمون غانو وفسر رموزه الفينيقية.

ومما استخرج ايضا ً من دفائن صيداء آنية من الزجاج والخزف لطيفة حسنة على هيئات مختلفة ولحاجات شتى كالصحون والجفان والقوارير والمكاحل وخصوصا ً السرج للاستصباح وفي متاحف بيروت منها عدد كثير في صور بهية ونقوش بديعة. اما الآنية الزجاجية فمنها ما تلوح فيها الوان قوس قزح فيدفع فيها محبو العاديات المبالغ الكثيرة للحصول عليها. ومن المعلوم ان صناعة الزجاج منسوبة الى الفينيقيين. وفي جهات صيداء وعدلون بقايا من الزجاج تدل على ان ثم كانت مصانع قديمة من الزجاج الفينيقي. وقل مثل ذلك عن صبغ الارجوان الذي كان ملبوس الملوك القدماء فان الصيدونيين استخرجوا تلك المادة الصبغية من نوعي صدف توفرا في سواحلهم.

وفي هذه المدافن والمطامير الصيداوية ايضا ً وجدت حلي ومصاغات من ذهب وفضة وخواتم مع فصوص ثمينة وقلائد جميلة تشهد للفينيقيين بالرقي في الصناعة وحسن الذوق في العمل. وربما كانوا ينقشون على تلك الجواهر صور آلهتم والخرافات الشائعة بينهم عن معبوداتهم كالبعل وملوخ وعشترت وادونيس.

اما عدلون السابق ذكرها فموقعها بين صور وصيداء وهي احدى قرى لبنان الغنية بالآثار كالمدافن القديمة والنواويس والردوم الباقية من هياكل مدمرة وكتماثيل آلهة فينيقية. وهناك ايضا ً نقوش وتصاوير على الصخور المجاورة منها صورة تمثل احد الفراعنة مجردا ً سيفه وقابضا ً على ناصية احد اعدائه ليقتله وهذه العاديات لدول مختلفة.

بيروت - عاديات بيروت الفينيقية قليلة لكثرة ما دهمها من المصائب والحدثان وعلى رأي سنكنتين البيروتي انها من اقدم مدن المعمور بناها على زعمهم الاله ايل او عليون اول ملوك جبيل ودعاها باسم الالاهة بيروت قرينته ووهبها للاله بوسيدون اله البحر فمن قوله هذا يستدل على ان بيروت عريقة في القدم. وهي مذكورة في كتابات تل العمارنة المنوه بها سابقا ً. ومن عادياتها هيكل بيت مري الذي كان يعبد فيه البعل المعروف ببعل مرقد ثم تحول في ايام الرومان الى الاله جوبيتر اي المشتري.

وكذلك وجدوا في ضواحي بيروت تحت تل مار متري وفي تلال الرمل عند راس بيروت نواويس فينيقية من الآجر والرصاص عليها نقوش وتصاوير رمزية دون كتابة وفي النقوش تشابه بالنقوش الاشورية. وفي متحف كلية القديس يوسف ناووسان منها.

جبيل - كانت جبيل مقدس الفينيقيين ومركز دينهم الوثني فاليها كان يحج السوريون وفيها كانوا يقيمون المناسك الدينية لاكرام بعل جبيل وبعلة جبيل عشترت قرينته. وكان موقع المدينة في مكانها الحالي وانما كات اوسع ارجاء. وقد سبق انها من اقدم مدن المعمور ولعل معظم المدن الساحلية من مستعمراتها. وكان لها مرفأ شهير وكان اهلها من احذق الملاحين يخوضون البحار ويطوفون البلاد بعزم لا يعرف الملل. وفي مكاتبات تل العمارنة ذكر لعمارتها وسفنها.

على ان آثار جبيل الفينيقية البالغة الى عهدنا قليلة جدا ً مع وفرة ابنيتها الشامخة في سالف الدهور تدل عليها قطع العواميد الضخمة التي ترى مبثوثة حتى يومنا في وسطها وضواحيها. والرأي المرجح عند العلماء ان تلك السواري كانت قديما ً منصوبة في هياكل المدينة وكانت تلك الهياكل متعددة في زمن الفينيقيين. وفي نقود جبيل ومسكوكات ملوكها الاقدمين صور بعضها وخصوصا ً هيكل عشترت معبودة الجبيليين الذي كان بديع الهندسة فبادت آثاره.

وفي تلك الهياكل كان الكهنة يحتفلون باعياد آلهتهم لا سيما ادونيس وهو تموز المرموز به على زعمهم عن الشمس. وكان عيداه الكبيران في فصلي الخريف والربيع. ففي الخريف كانوا يمثلون جنازة تموز فتلبس نساؤهم الحداد ويعولن باكيات على موت تموز ويخدش كهنتهم وجوههم وصدورهم فيصطبغ جسمهم بدمائهم كآبة على الههم يرون في قصر الايام وصفر نور الشمس رمزا ً عن وفاته. وكانوا اذا وافى الربيع يقيمون الافراح ويجاهرون بالمسرات لقيامة تموز يستدلون اليها برجوع الشمس الى بهائها. وقد بلغت بالفينيقيين المغالاة في دينهم الى ان اهرقوا لاكرام اصنامهم دم البشر فضلا ً عن الحيوانات وضحوا اولادهم الصغار طلبا ً لرضى الآلهة.

ومن آثار جبيل المكتشفة في عهدنا نقود فينيقية راق عهدها الى القرن الخامس والقرن الرابع قبل المسيح وصفها الدكتور روفيه (Dr. J. Rouvier) في المجلة النقودية المطبوعة في اثينا سنة 1901 ورد فيها اسماء يعض ملوك جبيل كالفعل وادرملك وعزبعل وعينال كلهم ملوك جبيل ضربوا المسكوكات الذهبية والفضية باسمهم.

ومما اكتشفوه ايضا ً من عاديات جبيل نصب اثير وقفوا عليه سنة 1874 عليه كتابة طويلة لاحد ملوك جبيل من القرن السادس قبل المسيح واسم الملك يجوبعل ملك جبيل ابن يحدبعل وحفيد ابيملك ملك جبيل ومضمون الكتابة تقدمه لبعلة جبيل (عشترت) يهديها مذبحا ً من النحاس وقبة من رخام مغشاة بالذهب في مدخلها اعمدة ثم يطلب منها ان توقفه في اعماله وتنال له رضى الآلهة وزيادة في النعمة ثم يتهدد الذين يختلسون هذا التذكار.

وهذه الكتابة من اطول ما اكتشف الى اليوم من الكتابات الفينيقية تبلغ خمسة عشر سطرا ً. والنصب المذكور مكعب في اعلاه طوله متر و13 سنتيمترا ً في عرض 56 س وسمك 23 س الى 26 س. في مقدمته صفيحة ذات اطار على شكل اللوح تقسم الى قسمين في احدهما الكتابة المذكورة وفي الآخر صورة عشترت بعلة جبيل مثلوها جالسة على عرش وهي مائلة الى اليمين رافعة يمناها للبركة ويدها الشمال قابضة على مقصرة من البردى. والملك واقف بازائها رافعا ً يمينه بهيئة الداعي وفي شماله كأس بعروة فيها سكيب يقدمه للالهة. وقد رسمت في هذا النصب الدائرة المصرية المجنحة مع الحيتين الرمزيتين في جانبها.

وفي جبيل كما في صيداء وجدت نواويس عديدة ترتقي الى اطوار تاريخية مختلفة فالراقية الى الطور الفينيقي يشبه بعضها في هيئتها نواويس صيداء المنحوتة على مثال الجسم البشري وصناعتها مصرية كما في صيداء. وعلى جوانبها نقوش واكاليل وتصاوير حيوانات وبشر اشبه بصور الاشوريين وصناعتهم. وكان ضمن هذه النواويس قلائد وعقود وحلى وتماثيل وثنية وزجاجات صغيرة للدموع (Lacrymatoires) دلالة على كآبة اصحابها وبعض آنية الزينة النسائية. اما مدافن اهل جبيل فلم يعرف منها حتى اليوم سوى ما ارتقى الى عهد اليونان او تأخر عنه.

واذ كانت جبيل كما سبق القول مركز الديانة الفينيقية تعددت حولها الهياكل المختصة بعبادة الآلهة الفينيقيين ترى الى اليوم آثارها في وادي نهر ابراهيم المعروف عند القدماء بنهر ادونيس اي تموز وقرب نبعه عند المغاور المشرفة على افقا. وقد اثبت العلماء ان تلك الهياكل كانت على طرز واحد كمعبد ملكرت في صور ومعبد اشمون في صيداء تتركب من حرم واسع مربع مستطيل في وسطه الهيكل لمقام الاله ورتب سدنته يعرضون فيه تمثاله في كوة امامها مذبح يقدمون عليه التقادم ويضحون الضحايا على ان بقايا تلك الهياكل اقرب عهدا ً منا لان الخراب استولى عليها غير مرة فتكرر بناؤها بتوالي الاجيال. وما بلغ منها الى زمننا انما هو من العهد اليوناني او الروماني.

وفي وادي نهر ابراهيم في المكان المعروف بالمشنقة ما خلا اطلال هيكل قديم مآثر فينيقية ترى على ربوة ذات قطع عمودي تشرف على النهر وتتألف تلك المآثر من عدة تصاوير تبلغ السبعة في العدد وهي تصاوير نقشت على الصخر كأثر غينه الموصوف سابقا ً تمثل لمحا ً من من اخبار الاله تموز فهو هناك قائم على هيئة بطل مغوار وبقربه بعض تبعته مع صورة الزهرة اللبنانية الباكية عليه بعد ان سلط عليه الاله المريخ وحشا ً ضاريا ً فقتله.

البترون - على مسافة ثلاث ساعات هي من جبيل من مدن الفينيقيين القديمة حول اليونان اسمها الى بوتريس (Botrys) ومعناها باليونانية عنقود العنب. بانيها في القرن العاشر قبل المسيح ايتوبعل. وكانت احد مرافىء الفينيقيين ومصنعا ً لسفنهم. وقد وجدوا فيها نواويس فينيقية بينها ناووس ملكي قيل انه لايتوبعل اول ملوكها والله اعلم. وكذلك وقفوا في دفائنها على بعض الحلي والحجارة الكريمة مع نقوش فينيقية. وترى على نقودها القديمة صورة عشترت معبودة اهلها على رأسها تاج مبرج. واما مدافن البترون فالراقي منها الى عهد الفينيقيين قليل ومعظمها من عهد اليونان. وكذلك ملعبها او مسرحها على شكل نصف دائرة ترى بعض آثاره حتى اليوم ابتناه الرومان.

عمريت - هي شمالي طرابلس على نحو 25 كيلومترا ً منها على ساحل البحر بازاء جزيرة ارواد. كان الارواديون هم بناتها. وقد عرفها اليونان والرومان باسم مراثوس (Marathus). اما تاريخ بنائها ففي القرن السادس قبل المسيح وآثارها الفينيقية عديدة افضلها واعظمها معبدها الشهير الذي خص بحرم جميل رحب الجوانب منقور في الصخر بتمامه يبلغ طوله 55مترا ً في عرض 48 مترا ً. وفي وسط هذا الحمى حجر عادي مكعب منحوت في ام الصخر علوه ثلثة امتار واجوانبه خمسة امتار ونصف في مثلها. وفي اعلاه بناء مكعب ذو ثلثة جدران ووجهه الرابع مفتوح والبناء المذكور يتركب من اربعة احجار ضخمة يمتد الواحد منها كصفيحة فوقه ثم يغطي كرواق مقدم الوجه المفتوح. وهذا البناء كان كمقدس الهيكل على شبه تابوت عهد العبرانيين وكان فيه مذبح لتقادمهم وهم تقلدوا في صنعه معابد المصريين مع بعض الامتيازات الهندسية الخاصة بهم وهذا الهيكل هو المعبد الفينيقي الوحيد الذي صبر الى عهدنا. وقد وجد رينان مقدسين آخرين على شبه هذا المقدس ليس بعيدا ً منه بين دغل الاعشاب والاشواك نشر رسمه البديع بعد فحص حجارته المتفرقة فاذا هو بناء يتركب من حجرين ضخمين احدهما فوق الآخر في وسط مستنقع ماء هناك وفوق الجرين حجر وحيد اكبر منهما مكعب الشكل طوله وعرضه ثلاثة امتار كان ركيزة لمقدس وجدوه ايضا ً وهذا المقدس من حجر واحد علوه خمسة امتار ونصف وهو اقل سعة من الركيزة في اعلى مقدمته نقوش هندسية كحيات مصر الرمزية المعروفة باوراوس. وفي سقفه الباطني كرة مصر الرمزية على احد جانبيها جناح منشور وعلى الآخر جناح مثله وفي وسطه صورة نسر وينتصب فوق الكرة حيتان رمزيتان كبيرتان.

ومن مآثر عمريت الفينيقية ما يدعوه الاهلون هناك بالعواميد المغازل. دعوها بذلك لبعض شبه بالمغزل. وهي كاهرام عاليه اتخذها الفينيقيون كمشاهد ذكرا ً لموتاهم. واعظم هذه العواميد واحكمها صنعا ً عمود علوه عشرة امتار منتصب فوق ركيزة مستديرة على اربع جهاتها اربعة اسود هائلة المنظر وفوق الركيزة اسطوانة اولى تنتهي بدرابزين حجري ذي شرفات ونقوش فوقها اسطوانة ثانية مثلها اصغر منها رأسها على شبه نصف كرة. وبقري هذه المشاهد ترى مدافن كالآبار ينزل اليها بدرج وفي اسفلها حجر متلاصقة تفصلها جدران منقورة في الصخر وفي كل حجرة اجران تجعل فيها اجساد الموتى.

وبين هذه المدافن مدفن يعرف بحجر الحبلى ينزل اليه من منفذ مربع فرشت فوقه صفائح الحجارة وباطنه عميق جدرانه محكمة النحت وهو ذو ثلث حجر واسعة كانت فيه جثث بعض كبار قومهم. وقد اكتشف النصيريون على هذا المدفن فسلبوا اكمل ما وجدوا فيه من الاثاث والحلى الذهبية. وكان هذا المدفن الغريب مزدانا ً بهرم وجد رينان منه بعض قطعه.

وفي عمريت مدفن آخر على هندسة بيت مكعب ذي طابقين فوقهما قبة مخروطة الشكل. وهذا المدفن مبني بحجارة كبيرة طول الواحد منها خمسة امتار يدخل الى كل طابق منه من منفذ ضيق وفي داخل كل حجرة اجران لجثث الموتى. وعلو هذا المدفن 16 مترا ً وهو فوق الحضيض يدعوه العامة برج البزاق.

ومدافنت عمريت لا تصلح للنواويس وانما كانوا يدفنون موتاهم توا ً في اللحد او يجعلونهم في توابيت خشبية وكانوا يجعلون مع موتاهم اثاثهم وحليهم الا ان اللصوص انتهكوا غالبا ً تلك المقاير واختلسوا حليها الا البعض منها. فمما وجده الاثريون في بعضها قلائد ذهبية وخواتم ومرايا وسرج وزجاجات مختلفة وقطع من الحديد وخزفيات شتى وآنية كبيرة ذات الوان كالخوابي والجرار والاقداح.

ومن الآثار الدينية الفينيقية في لبنان ما نقش على صخر قريبا ً من قرية جربتا في جهات جبيل. فعلى الصخرة نقرة مقوسة نقش في اعلاها شلو بعض الآلهة وتحت التمثال مذبح على جانبيه رجل ومرأة واقفان في هيئة السجود وبقربهما شخصان يسوقان ضحية في ايديهما كل ادوات الذبيحة. والرسم الدقيق الصنع يشهد لمصوره بالحذاقة في فنه.

ومما وجد في امكنة متعددة من لبنان وسواحله كصور وصيداء وعدلون ونيحا وهلالية انصاب منقورة في الصخور المجاورة للمدافن القديمة وهذه الانصاب منقورة في الصخر على شكل بشري ذي رأس وقدمين. ونقش هذه التصاوير غاية في الخشونة يستدل بها على الموتى ولذلك كانوا يدعونها باسم "نفش" اي النفس تحيي لهم تذكار موتاهم. وللاب سبستيان رنزفال مقالة ممتعة في هذه الآثار ومعناها نشرها في مجموعة المكتب الشرقي (ج 4 ص 189- 208).

فتبين مما اوردناه ان آثار الفينيقيين الدينية عديدة جدا ً وكان بوسعنا ان نذكر غيرها ايضا ً مما يشاهد بقاياه في جهات مختلفة ليس في لبنان فقط بل في بلاد اخرى بعيدة عنه لتردد الفينيقيين اليها الا ان في ما اثبتنا كفاية لبيان وفرتها ولو شئنا لبينا ذلك في اعلام قرى لبنان القديمة الباقية الى يومنا الدالة على معبودات الفينيقيين ومناسكهم الدينية كدار بعشتار في الكورة يتركب اسمها من بيت وعشتار وهي عشترت آلهة الفينيقيين كانت تكرم هناك في هيكل بقي منه آثار الى يومنا. وكبزيزا في جهات البترون مركب اسمها من بيت وعزيز احد آلهة الفينيقيين كان فيها قديما ً هيكل صغير ذو اعمدة حوله النصارى بعدئذ الى كنيسة وهي الكنيسة الحالية المعروفة بسيدة العواميد. وكعقتنيت وكفرتنيت وعين تنيت قرى تشير كلها الى تنيت من معبودات الفينيقيين التي وجد اسمها منسوبا ً الى لبنان في احدى الكتابات الفينيقية كما ورد في كتابات اخرى اسم "عبد تنيت" علم رجل فينيقي. وقس عليها اسماء عديدة كبعلشميه اي بعل الآلهة شيما وكفرشيما. ودربسين المنسوب الى الاله سين وهو القمر المعبود في جهات بابل وفينيقية وهلم جرا ً.

وقد بلغ غلو الفينيقيين في دينهم الى ان اعتبروا لبنان كاله كانوا يدعونه بعل لبنان ويكرمونه اكرامهم لآلهتهم. وكذا فعلوا لجبل حرمون. وكان الرأس الداخل في البحر بين شكا والبترون المعروف اليوم برأس الشقعة احد معبوداتهم يدعونه بوجه البعل ومنه اشتق اليونان اسمه فسموه وجه الله ووجه الحجر. وفي الكتابات اليونانية المكتشفة في قرية هلالية قريبا ً من صيداء وفي انحاء اخرى من الجبل ما يؤيد شيوع عبادة الجبال عند الفينيقيين فاعتبروها كصورة الآلهة او كرمز عنهم.

وقد بقي في لبنان آثار فينيقية اخرى مدنية يرجح كونها من عمل الوطنيين اتخذوها للدفاع عن حوزة بلادهم اخصها الحصون والقلاع منها قصر سمر جبيل المبني فوق اكمة عالية فان جدران هذا البناء الجليل الماثلة ترتقي الى القرون الوسطى بخلاف اركانه السفلى واساس بروجه وخنادقه المنحوتة في الصخر فانها تدل على بناء فينيقي قديم. وفي داخل هذا القصر وعلى مقربة منه آبار وصهاريج بعيدة الغور محكمة العمل منقورة في الصخر الاصم على انه ليس ثم كتابة تزيل الشبهات وتثبت حقيقة الامر.

ومنها قلعة الحصن الواقعة بين بشعلي ودير مار يعقوب وهي مبنية فوق صخر عال مشيدة في القرون الوسطى من انقاض قلعة سابقة ابتناها الفينيقيون فخربت بفعل الزمان او بعداوة الانسان. وكذا يقال عن بعض الحصون التي ترى في نواحي لبنان كجبيل والمسيلحة فانها من القلاع المتجددة بعد خراب ابنيتها الفينيقية.

6- الآثار اليونانية في لبنان

 

 


Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved


Advertise | Terms of use | Credits