Back Home (To the main page)

Souvenirs and books from Lebanon
 

Sections

About us

Contact us

 
 
SearchFAQMemberlistUsergroupsLog in
The Great Lebanon by Dr. Louis Saliba

 

 
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
  View previous topic
View next topic
The Great Lebanon by Dr. Louis Saliba
Author Message
admin
Site Admin


Joined: 09 Mar 2007
Posts: 529
Location: Jbeil Byblos

Post The Great Lebanon by Dr. Louis Saliba Reply with quote
د. لويس صليبا/كلمة في ندوة كتاب لبنان الكبير/بجّة

Order the book

طالما تمنّيتُ أن أقفَ يوماً على منبرٍ في هذه البلدة الحبيبة بجّة، وما تحقّقت أمنيتي. وها هي زميلتي الدكتورة أودين سلّوم الحايك ورئيس نادي بجّة الأستاذ ألبير مخيبر يتيحان لي الفرصة هذه بعد طول انتظار، فألفُ شكرٍ لهما.

أمّا لماذ تمنّيتُ هذه الوقفة وانتظرتُها فلأسبابٍ عديدة: أبرزها أن بجّة رقمٌ صعبٌ في المعادلة الثقافية في بلاد جبيل، وهي خصوصاً بلدةُ أساتذة ومعلّمين لي، وكانوا أصحاب فضلٍ عليّ. وأوّلهم العلّامة المونسنيور ميشال الحايك أستاذي في الجامعة اللبنانية، وقبلها عبرَ أثيرِ الإذاعةِ اللبنانية. وقد كتبتُ عنه مراراً لا سيما وأنه كان رائد الحوار المسيحي الإسلامي في لبنان وفرنسا. ومؤخّراً أنهيتُ كتاباً عنه سيصدر قريباً وعنوانه: حوارُ الهندوسية والمسيحية والإسلام: جنبلاط اليوغيّ وعلاقته بنعيمه والحايك. وعساه يكون لنا مستقبليّاً لقاءٌ عنه.

وثاني الأساتذة الأديب والشاعر أديب صعيبي تتلمذتُ عليه في الفلسفة وتاريخ العلوم عند العرب، وتذوّقتُ شعرَه ولا سيما شعرَ والده شاكر صعيبي، ولهذا الأخير قصيدةٌ مبدعة عن لبنان في الحرب العالمية الأولى أوردتها وعلّقتُ عليها في كتابي الذي أنهيته منذ أسابيع وسيصدر قريباً، وهو تكملة للذي نتدارسُه اليوم وعنوانُه: "لبنانُ الكبير المخاض العسير: شهداء لبنان في الحرب العُظمى ودورُهم في نشأة الكيان".

رَغمَ أنه صدر من زمن، فهي الندوةُ الأولى عن كتابي "لبنان الكبير أم لبنان خطأ تاريخي". وبالمقابل لقيَ هذا المصنّف اهتماماً ملحوظاً من القرّاء، فتعدّدت طبعاتُه، وها هي طبعتُه الخامسة تصدرُ منذ أيّام.

وإنّني لأعي تماماً أن موضوعَه حسّاس، وليس موضعَ إجماع. فأوّل ما يختلفُ عليه اللبنانيّون هو تاريخ لبنان. ولو اتّفقوا على تاريخِ بلدِهم لسهُلَ عليهم أن يتّفقوا على أمورٍ أخرى!

أردتُ في هذا الكتاب أن أعرّي الكثير من المسلّمات، وأن أنسِفَ عدداً من الأساطير التي حيكت ورُويت، ولا تزال، عن نشأة الكَيان. وادي النصارى في سوريا مثلاً، وحكاية ضمّها أو رفضه إلى لبنان الكبير، بيّنتُ أنها مجرّدُ أسطورة حيكت للطعن في مساعي الموارنة ولا سيما البطريرك الحويك إلى لبنان الكبير! وبالمقابل فما تكرّره البطريركيّة المارونية دوماً في أدبيّاتها من أن البطريرك الحويّك سعى عن سابقِ تصوّرٍ وتصميم إلى وطن وكيانٍ متنوّع الأطياف والطوائف والأديان كلامٌ هو الآخر أقربُ إلى الأسطورة!قلتُ في هذا الكتاب، وفي غيره: مشكلتُنا الكبرى التقديس: تقديس الأشخاص والمفاهيم وغيرها من الأمور...

الحويّك عمِلَ بجدٍّ وإخلاص لهذا الكيان. ولكنّه كسائر الناس لم يكن معصوماً عن الخطأ. وإميل إدّة حاول في بداية الثلاثينات أن يتدارك الأمر، فسعى إلى لبنان أكبر من لبنان الصغير، وأصغر من لبنان الكبير، ولم يُفلح في مسعاه!

ولكن ماذا يفيدُنا كلّ هذا اليوم: لا بدّ من أن نتعلّم أن ننظر إلى تاريخنا بشيء من الواقعيّة والموضوعية، وأن نكفَّ عن التكاذب، والمزاعم، والمزاعم المضادّة التي تغطّي الحقائق والوقائع بقِشرة بصلة، أو ورقة تين كما يقولون!

إذا كان لبنان كياناً مصطنعاً كما يقول البعض ويؤكّد، فهو ليس أكثر اصطناعاً من كياناتٍ نشأت في تلك الفترة كالأردن والعراق وغيرهما... وإنّني لأوافق عموماً الباحثة الفرنسية إليزابت پيكار Elizabeth Picard في أن قيام لبنان الكبير كان بحدّ ذاته نقضاً لمشروع إسرائيل الكبرى وكذلك لفكرة سوريا الكبرى في آن.
ومسيرةُ هذا الكيان ها قد بلغت اليوم قرناً من الزمن، ورغم كلّ العثرات لا يزالُ لبنان يقفُ بعد كلّ عثرة ليتابعَ المسير! أهي معجزة؟! ذاك ما يقولُه البعض الآخر مؤكّدين أنه لو تعرّض أي بلدٍ لما تعرّض له لبنان منذ قرنٍ من ويلات ومصائب لانفرط عقدُه وانهار وتلاشى منذ زمن. ولكن لا نفرطنّ في التفاؤلِ والأوهام. فنحنُ لم نخرجْ بعدُ من عنقِ الزجاجة، ولا يزالُ أمامنا الكثير كي نفعل!

ولو سلّمنا جدلاً اليوم أن لبنان كان خطأً تاريخيّاً فما فائدة هذا التسليم؟! وما الذي قد ينتجُ عنه؟ فما كان بزعمِ بعضهم، أو بالحري ممكنٌ أنه كان، خطأً تاريخيّاً هو اليوم حاجةٌ ماسّة. أجل لبنانُ اليوم حاجةٌ ماسّة له ولجواره. وهو ككيانٍ ليس أكثر تنوّعاً وتعدّداً من كيانات أخرى مثل فرنسا والهند وغيرها... ولبنان حاجةٌ ضرورويّة للعالم الإسلامي بأسره. فسقوطُ التجربة اللبنانية يعني ببساطةٍ كلّية أن الإسلام المعاصر غير قادرٍ على أن يتعايشَ مع أي دينٍ آخر إلا بمنطقِ الاحتواء ومفاهيمِ أهل الذمّة التي تعودُ إلى العصورِ الوسطى البالية. وبالتالي أن رُهاب الإسلام، أو الإسلاموفوبيا هذا المرض المستجدّ في الغرب له أصولُه ومبرّراتُه خلافاً لما يقولُ المسلمون ويؤكّدون. ومن هنا فقد سبق لي أن قلتُ وعنوَنتُ أحد بحوثي: "لبنان الكبير الرهان الكبير." فلبنان الكبير كان ولمّا يزل تحدّياً عظيماً، ورهاناً كبيراً. بيد أنه ليس رهان اللبنانيين وحسب بل هو رهانُ كلّ العرب والعالم الإسلامي بأسره، وعسانا ندرك جمعياً لبنانيين وعرباً ومسلمين خطورة هذا الرهان وضرورة العمل الدؤوب لربحه.

ولبنان لا معنى له ولا دور إذا فقد الحضور المسيحي فيه وهجه ودوره. وأكتفي هنا بقولٍ للرئيس تقي الدين الصلح، ردّ فيه على زوجة مرافقه عمر زين التي شاءت أن تهجر لبنان في ذروة الحرب اللبنانية قائلة: "لبنان الذي نعرفه لم يعد له وجود"، فأجابها: "طالما بقيَت هنا كنيسةٌ واحدة تدقّ أجراسها، فسيبقى لبنان" (زين، عمر، تقي الدين الصلح سيرة حياة وكفاح، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع، ط2، 2007، ج1، ص12-13). فبقاء لبنان مرتبط ارتباطاً عضوياً ببقاء المسيحيين فيه، والاستمرار في لعب دورهم التاريخي الرائد في لبنان وسائر المشرق.

ويلوحُ لي أنّنا في لبنانَ اليوم أمام ما يُشبه خيارَ طارق بن زياد: البحر من ورائنا بما يعنيه من هجرة واضمحلال للكيان، والعدوّ من أمامنا. ولا مفرّ لنا من أن نجبه معاً التحدّيات إذا كانت الحياةُ والاستمرار فيها هي خيارنُا!

ونحنُ أمام معضلتين وكلّ واحدةٍ كفيلة لوحدها أن تبتلعَ البلد وما فيه: الطائفية من جهةٍ، والفساد من جهة أخرى. بل نحنُ أمام ما سمّاه الوزير جان لوي قرداحي، في كتابه الصادر مؤخراً،تحالف الفساد مع الطائفية (قرداحي، جان لوي، أمانة المسؤولية، بيروت، دار النهضة العربية، ط1، 2018، ص2Cool. فبين هاتين المعضلتين المميتَتين علاقةٌ جدلية واضحة: الطائفية تتغذّى من الفساد، وهي بدورها تغذّيه وتدعمُه وتصونُه. حتى باتت آلةُ الفساد أقوى من أجهزة الدولة بأسرها. وصار المستفيدون من الفساد أكثر من الذين يرفضونه، أو أقلّه أقوى منهم. لذلك فهم من يأتي بالنوّاب وسائر رجالات الدولة وليس الرافضون. وقد وصلنا اقتصادياً ومالياً اليوم إلى مرحلة تقول الإحصاءات فيها أن 2,5% من المودعين في المصارف اللبنانية يملكون 95% من الودائع، وأن مليون ونصف من اللبنانيين يعيشون بأقلّ من أربعة دولارات في اليوم. وكلّ ذلك يعني أن الطبقة الوسطى، وهي الفئة المنتجة الأساسية والفاعلة والخلّاقة، قد انهارت، أو هي على وشك ذلك!

أما الطائفية فتطولُ الوقفة عندها. وأكتفي بالقول في هذا الصدد: قد تكون مجموعةُ الطوائف، وعلى رأسها الموارنة قد أنشأت لبنان. ولكنها إن لم تقبلْ أن تذيبَ استقلالَها وصلاحيّاتِها فيه، فستقتلُ الطوائفُ لبنان. وأضيف: يبدأُ التناقض عندما تريدُ كلُّ فئةٍ من المجتمع أن يكونَ الوطنُ لها كلّياً، أو أوّليّاً أو امتيازاً. ويتفاقمُ التناقضُ عندما تطلبُ ذلك باسم الله الذي تعبدُه أو باسم عقيدتِها وإيمانها. فتَسْتَعبدُ الوطنَ لأجلِ مصالِحِها الفئويّة ضدّ الفئات الأخرى، وتتفجّرُ الصراعات!
وما لاحظته أثناء دراستي وتأليفي لهذا الكتاب أنه، رَغم كلّ سيّئاتِه، كان الانتدابُ على قِصَر مدّته (1918-1943) الحقبة الأكثر سلماً أهليّاً ونتاجاً وإنتاجاً في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، والأقلّ فساداً وطائفيّة. وهذا يعني، في ما يعنيه، أن اللبنانيين لم يعتدوا بعد على حُكم أنفسهم، ويلزمهم المزيد من الوقت كي يعتادوا على ذلك، وليتنا نعرفُ كم من الوقت يلزمُ بعد.

أما التعدّدية، فليست سمة مجتمعنا اللبناني وحسب، بل هي سمة العصر وسائر المجتمعات حتى تلك التي يقال عنها أنها أحادية الطيف! فهل يمكن أن يقال عن تونس مثلاً، وهي البلد التي أعرفُ جيّداً، أنها بلدٌ غير متنوّع ولا متعدّد لمجرّد أن أكثرية سكّانها الساحقة من المسلمين من أهل السنّة والجماعة؟! وماذا في هذه الحال عن التيّارات العلمانية والعلمية والنسَوية وحتى الإلحادية وغيرها داخل المجتمعِ التونسي؟! عصرُنا اليوم هو عصرُ التعدّدية والتنوّع شئنا ذلك أم أبينا، فهذا واقعٌتفرضه وسائل الاتّصال والعولمة التي حوّلت دنيانا إلى قرية صغيرة وفعّلت آليات التثاقف والتفاعل. بيد أن مشكلتَنا الكبرى تكمنُ في أنّنا في موروثِنا الفكريّ وإرثنا الثقافيّ والسياسيّ والدينيّ في هذه المنطقة لم نعتد على التنوّع والتعدّدية. ونحتاجُ إلى ردحٍ طويلٍ من الزمن كي نفعل. وهنا يكمن دور لبنان بتعدّديّته. فهو ملزَمٌ أكثر من أي مجتمع أو بلدٍ في جواره بأن يقبل بالتعدّدية واقعاً، ويتكيّف معها ليبقى ويستمرّ! فهل يستحيلُ عليه ذلك، أم ثمّة بصيصَ نورٍ وأملٍ في آخر النفق؟ ثقافةُ الحوار هي الحلّ الوحيد. فالحوار هو وحدُه القادرُ أن يحوّل التعدّدية من نقمة إلى نعمة، ومن فوضى إلى غنى.

وعوض أن نركّز دوماً على جوانب الصراع والحروب المظلمة في تاريخنا، علينا أن نسلّط الضوء على مساحاتٍ منيرة ووجوهٍ مشرقة منه.

وأكتفي هنا، ومن بين هذه الوجوه، بإشارة سريعة إلى تجربة المطران غريغوار حدّاد (1924-2015)، مطران الفقراء، وبابا العَلمانية، كما قيل عنه، ومؤسّس تيّار المجتمع المدني. وكان يذكّر المسيحيين دوماً بأن: "التعدّدية صفة لازمة للمسيحيّة عبر تاريخها" (حديث إلى جريدة البناء 28/12/2015)
ويقول بشأن الهواجس المسيحيّة المزمنة: "يحقّ للمسيحيين أن يتخوّفوا لا أن يخافوا. فحتى الصعوبات التي نمرُّ بها اليوم يمكن أن تصبحَ يوماً ما لخيرنا، ولا يجب أن نيأس أبداً حسب إيماننا بالمسيح الحقيقي" (حديث إلى قناة الميادين، برنامج أجراس المشرق في 21/7/2013).

وبشأن معضلة الفساد كان يقول: "من أهمّ أمراض لبنان الداخلة في جميع الحقول: المركنتيلية، إعطاء الأولويّة للطمع والسعي وراء المال فقط. على طريقة المثل "ما حدا بيدقّ الشيش بخشيش" ونقيضها المجّانية أي العطاء بلا مقابل وهي دواء لبنان الأكبر. (الكتاب السنوي، الحركة الثقافية-أنطلياس/لبنان، السنة35، ص230)
أما الطائفية المستفحِلة فدواؤها عنده العَلمانية، وعنها كان يقول: «العَلمانية تحرّر المؤمنين والمتديّنين من سطوة وإرهاب السلطة الدينيّة أو المجتمع الطائفي»(حداد، غريغوار، العَلمانية الشاملة، بيروت، دار مختارات، ط3، 2005، ص62) ويقول في فعل إيمانه بالوطن: «أنا مؤمن بالله، ومؤمن بالعَلمانية الشاملة. مؤمن بالله، ولذلك أنا عَلماني، ومؤمن بالعَلمانية دعماً لإيماني بالله. وإيماني المسيحي على مسافة واحدة من جميع الأديان. وأنا مقتنع بأنه كلّما أصبح المسيحيّون مؤمنين بالإنجيل حقّاً، والمسلمون مؤمنين بالقرآن حقّاً، كلّما أصبحوا قادرين على تكوين وطنٍ عَلمانيّ حقّاً»(م.ن، ص89).

وتبقى لنا كلماتُه الأخيرة بمثابة وصيّة، يقول: «بات تلخيصُ رؤيتي سهلاً اليوم. فرؤيتي ترفضُ الانتماء إلى مجتمعاتٍ طائفية منكمشة على نفسها وعلى امتيازاتِها. وأريدُ الانتماءَ إلى كنيسة المسيح وحدَها. وأرفضُ الثراء المادّي: المال والملكية والمشاريع والنفوذ السياسيّ للكنسية، وأريدُ كنيسةً عاملة خادمة وفقاً لمشيئة المسيح. وأرفضُ كنيسةً تدافع عن نظام الاستثمار الإقطاعي والرأسمالي القائم في لبنان، أو تساهم فيه. وأريدُ كنيسةً ملتزمة ومعنيّة بالمسائل التي تهمُّ كلّ فئات الشعب، وتسيرُ إلى جانبه في سبيل تحرّره الاقتصادي، ونحو تحقيقِ أمانيه في حياة إنسانيّة كاملة. وأرفضُ كنيسةً غريبة عمّا حولها مرتبطةً بالحضارة الغربية. وأريدُ كنيسةً ومسيحيين يعتبرون أنفسَهم جزءاً من العالم العربيّ، فيشاركون في قضاياه ونضالِه وأمانيه نحو التحرّر وبناءِ مجتمعٍ متطوّر لأعضائه كافّة.»(حديث في 2010، نشره كمال ديب في جريدة الأخبار في 28/1/2016).

وهو هنا يلتقي بالمونسنيور ميشال الحايك القائل:«بصفتي لبنانيّاً أتبرّم بكلّ وطن متقوقعٍ في الفرديّات، ولا أقدرُ أن أتصوّرَمن بعدُ وطناً يُعاش فيه من دون أن يكون شموليّاً تترابطُ فيه الأعراق والأديان والحضارات بميثاقٍ إنسانيّ وممارسةِ حرّيةٍ تسقطُ دونها دساتيرُ التيوقراطيّات والقوميّات والعنصريّات مهما كان نوعُها ولونها »(النهار، 16/5/1975)

وختاماً، نحن اليوم في ذكرى الاستقلال، وأضعف الإيمان أن نستوحي من هذا الجبل عزماً، وعزيمة. وأبونا ميشال الحايك يقول: «لبنان كلّه جبلٌ، حتى الوادي هو جبلٌ مقلوب»(الأب ميشال الحايك، المرافقة، 2005، ص82) والعزمُ هو على أن ندخل في عصر التواصل والتفاعل، وزمن الشفافيّة والحوار. فمن دون ذلك لا أمل بالاستمرار، وكما جاء في آي الذكر الحكيم: {لا يغيّرُ الله ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم} (الرعد 13/11)

وعسانا بذلك نشاركُ جميعاً في بناءِ دولةِ الاستقلال التي لمّا تزل تنتظر بُناتَها.
والسلام عليكم ورحمةُ الله( )
[url][/url]

لبنان الكبير:الرهان الكبير/بقلم البروفسور لويس صليبا
تاريخ لبنان أم تاريخ صراع أديان؟!


"لبنان الكبير أم لبنان خطأ تاريخي" كتاب لي صدر 2015،( ) وهو اليوم في طبعته الثالثة. ولن يكون هذا الكتاب محور دراستنا وإنما نقطة انطلاقتها: منه نطلّ على الماضي القريب في سبيل فهم حاضرنا، واستشراف المستقبل وما تخبّئ لنا الأيام. لستُ متخصّصاً في تاريخ لبنان، وإنما في الفلسفة وتاريخ الأديان وعلومِها. وكلبناني عاش الحربَ بأهوالِها ومآسيها كنتُ دوماً أطرحُ على نفسي سؤالَ كارل ماركس الشهير، والذي طرحَه في رسالة له إلى إنجلز إذ قال: «ما الذي يجعلُ تاريخ الشرق كما لو كان تاريخ أديان فحسب؟!»( )
وإسقاطاً على الوضع في لبنان كنتُ أتساءلُ بدوري: ما الذي يجعلُ من تاريخِ لبنانَ الحديث والمعاصر يبدو وكأنه حصراً تاريخ أديان ومذاهب، أو بالحري تاريخَ صراعٍ بين الأديان والمذاهب؟!
وكنتُ أنظرُ إلى الحقبة القصيرة نسبياً التي عاشها لبنان الكبير منذ إعلانه في 1 أيلول 1920 فأراها تحفل بالخضّات والصراعات والحروب: الثورة البيضاء 1952. الأحداث الطائفية وأزمة 1958، أزمة العمل الفدائي واتفاق القاهرة 1969. الصراع بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية 1973. ثم الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة والشرسة 1975-1990. أحداثٌ وحروب متتالية في نحو سبعين سنة من الزمن كانت تجعلني أتساءل: هل كان لبنانُ الكبير فعلاً وحقّاً خياراً صحيحاً؟!

لبنان الكبير هل كان الخيار الصحيح؟!

وثارت ثائرتي عندما سمعتُ بمقولة "لبنان خطأ تاريخي". من أطلق هذه المقولة التي استغلّتها إسرائيل أيما استغلال، ومن الذي روّج لها بالتزامن مع إعلان لبنان الكبير؟
تلك كانت بدايةُ البحث الذي استمرّ سنوات. ولا مجال بالطبع لأن أعرض مراحِلَه، ولا أن أفصّل نتائِجَه. لذا أكتفي بنقطتين موجزتين:
1-عندما سافر البطريرك الحويك إلى مؤتمر الصلح 1919 للمطالبة بتوسيعِ حدودِ لبنان، وضمّ الأقضية الأربعة، والمدنِ الساحلية: طرابلس وبيروت وصيدا، وسهل البقاع إليه، التقى في باريس الأديبَ والشاعرَ اللبناني، ومترجم الإلياذة، والوزير العثماني السابق سليمان البستاني المقيم في سويسرا بعد اعتزاله السياسة، وكان قد قدم إلى باريس خصّيصاً للقاء بطريركه. فأخبرَه الحويك عن مسعاه. فحذّرَه البستاني من مغبّةِ توسيع الحدود اللبنانية إلى ما وراء المناطق المسيحية، وضمّ جماعات إلى لبنان تخلّ بتوازنِه. هذا خطأٌ كبير يا غبطة البطريرك قال معرّب الإلياذة، وستندم على هذه المبادرة في أقلّ من خمسين سنة. (صليبا، لبنان الكبير، م. س، ص101-102)
ولكن سليمان البستاني لم يكن المعارض الوحيد للبنان الكبير، فكثرٌ غيره عارضوا مشروعَ الحويك هذا، والكتاب يبحث في دوافع كل المعارضين، وخلفيّاتِهم، ويعرضُ لطروحاتِهم المختلفة ممّا لا يتّسعُ المجالُ لذكره هنا. ونكتفي بواحد كنموذج معبّر.

هل تصحّ نبوءة جبران؟

2-إثر إعلانِ دولةِ لبنان الكبير كتب نابغة المهجر جبران خليل جبران (1883-1931) مقالَته الشهيرة "لكم لبنانُكم، ولي لبناني" ونشرها في مجلة الهلال المصرية في ت2، 1920، فمنعت سلطات الانتداب هذا المقال لأنه ينطوي على معارضة واضحة للبنان الكبير. " لبنانكم مربّعات شطرنج بين رئيس دين وقائد جيش. أما لبناني فمعبد أدخله بالروح". يقول جبران في مقالتِه، في تعريض واضح بالبطريرك الحويك والجنرال غورو.
لِمَ عارض جبران مشروعَ لبنان الكبير، وهو اللبنانيُّ القحّ الذي رفضَ الجنسيةَ الأميركية المعروضة عليه، وآثرَ أن يموتَ لبنانيّاً كما ولد، وهو كذلك القائل: "لو لم يكن لبنان وطني، لاتّخذتُ لبنان وطني".
بحثتُمطوّلاً في كتابي، في هذه الاشكالية،ويمكنُني أن أجيبَ باختصار: لأنه كان يرى بعينِه الثالثة، وفق تعبيره، مجازرَ طائفية في هذا الخليط غير المتجانس. يقولُ في مخطوطةٍ له لم تنشرْ يومها: «لبنان البلد الصغير الهادئ الآن سيكونُ مسرحاً لمجزرة هائلة، يَذبحُ فيها المسلمُ المسيحي، والمسيحيُّ الدرزي. وسوف يذبحُ المسيحيُّ أخاه المسيحي، ومن يعشْ يرَ.» (ص142).
وصحّت، ويا للأسف، نبوءةُ جبران الأولى هذه. فهل تصحّ نبوءته الثانية؟ كلّما قرأت مقالته "لكم لبنانكم، ولي لبناني" تنتابني قَشعريرة، لا سيما في المقطع الذي يطرحُ فيه السؤال: «لبنانُكم حكومةٌ ذات رؤوسٍ لا عِداد لها. لبنانُكم عقدةٌ سياسية تحاول حلّها الأيام. وماذا عسى أن يبقى من لبنانِكم وأبناءِ لبنانِكم بعد مئة سنة؟» (ص144).

ويتحدّث جبران عن ساسةِ لبنانَ الفاسدين المفسدين: «هم الذين لا يعرفون المجاعةَ إلا إذا كانت في جيوبهم. هل بينَهم من يتجرّأ أن يقول: إذا ما متّ تركتُ وطني أفضل قليلاً ممّا وجدتُه عندما ولدت؟ هل بينَهم من يتجرّأ أن يقول: لقد كانت حياتي قطرةً من الدمّ في عروق لبنان، أو دمعة بين أجفانه، أو ابتسامة على ثغره.» (ص144).
نقرأُ اليومَ ما كتبه جبران منذ قرن، فنشعرُ وكأنّنا نقرأُ مقالةً في جريدةٍ صدرت هذا الصباح. أما رهانُه أن لا يستمرَّ لبنان الكبير أكثر من قرن، فهو التحدّي الكبير الذي علينا جميعاً أن نواجهَه.
ويبقى أن البطريرك الحويك آثر الخيارَ الجغرافي وتوسيعَ حدودِ لبنان رغم خطورتِه، على الخيار الديمغرافي، والبقاء في وطنٍصغيرٍمتجانسِ الأطيافِ والفئات.
والسؤالُ البديهي الذي يُطرح اليوم: ماذا فعلنا نحن اللبنانيين في هذا القرن الطويل والحافل بالأحداث: هل بنينا دولة، أم هي مجرّدُ مزرعة كما يحلو للكثيرين أن يقولوا؟!
يصعبُ، بل يستحيلُ أن نستعرضَ أحداثَ قرن: ما تحقّق من إنجازات، وما بقي حبراً على ورق. لذا نقتصرُ على نموذجين وعلى تجربةٍ واحدة في الحكم، وعلى طرحٍ من الجانب الآخر من الوطن.

فؤاد شهاب باني الدولة الحديثة

ستُّ سنوات قضاها الجنرال الأمير والرئيس فؤاد شهاب في الحكم (1958-1964) كانت حافلة بإنجازاتٍ لم تعرفها أكثر العهود الباقية. سعى الأميرُ الرئيس بفاعلية ونجاح إلى إرساء أسسِ دولةٍ عصرية.
بعثة إيرفد، برئاسة الأب دوبريه اليسوعي 1960، قامت بمسح للبلد وحاجاتِه على مختلف الأصعدة، ووضعت مخطّطاً للتنفيذ. واستغرق الكشف الميداني الذي قامت به سنتين كاملتين، أنهته بتقرير شامل متوازن حوى خطّة لإنعاش الريف، وإيقاف الهجرة منه إلى المدينة.( )وكان الرئيس شهاب يعبّر دوماً عن حبّه للقرية اللبنانية سنديانة وتقاليد ...وكنيسة، ويكرّر دوماً: لبنان ليس المدينة والعاصمة والمطار والأسواق ...بأكثر ممّا هو البلدة والقرية وسهل البقاع والأنهر والفلاح. (م.ن، ص27).
ومن إنجازات العهد الشهابي: الضمان الاجتماعي، مجلس الخدمة المدنية، التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة، التفتيش المالي، مجلس القضاء الأعلى، إنشاء مصرف لبنان، مصلحة الإنعاش الاجتماعي، المشروع الأخضر، مجلس التخطيط والإنماء الاقتصادي، مكتب الفاكهة والقمح. (م.ن، ص29) ما يعني ببساطة أن مقوّمات الدولة الرئيسية: دولة المؤسّسات لم يعرفها لبنان حقاً وفعلاً إلا في العهد الشهابي. وحتى قانون الستين للانتخابات النيابية الذي لم نعرف،حتى الأمس القريب، أن نخرجَ منه كان إنجازاً في ذلك الزمن.
وتحدّث الرئيس شهاب مراراً عن المعوقات التي منعته من أن ينجزَ الكثير ممّا خطّط له: فكم تبرّم ممّا أسماه "جدار المال"Le murd’argent:( ) وبالفعل، فنحن ما زلنا في بلد تحكُمه المصارف، بل وتتحكّمُ به وبمقدّراتِه، وترفضُ أن تدفعَ، وإن جزءاً يسيراً، من أرباحها الصافية الخياليّة التي تصل إلى مليارات الدولارات كلّ عام. والمالُ السياسي: نموذج برلسكوني سقطَ في إيطاليا وسائر أوروبا منذ نحو عقدين، ولا نزال نجترُّه في لبنان وسنبقى.
وعبثاً كان الأمير اللواء يكرّر: «الاقتصاد ليس غاية بحدّ ذاته، وهو لا يصلح إن لم تكن له غاية اجتماعية.» (م.ن، ص167-168).
وتحدّث الرئيس شهاب عن الفساد والفاسدين المفسدين: أكلة الجبنة Les Fromageurs. أما زعماء الطوائف فكانوا الحاجزَ المنيع بوجه العبور نحو الدولة المدنية. ففي آخر عهده 1964 زار الوزير كمال جنبلاط الرئيسَ شهاب ليقنعَه بضرورةِ التجديد، فردّ عليه الرئيس حازماً جازماً: «أشكر ثقتَك. ويهمُّني أن تعرف ويعرفوا: لم أشعرْ أنني حكمتُ كما يقضي الواجبُ أن أحكم. ولا شكّلتُ حكومةً كما أبغي وأريد. أنتم زعماء الطوائف تفرضون وزراءكم في كلّ العهود. ولا يمكن التخلّصَ من هذه التجاوزات إلا بدكتاتورية تهرقُ دماءً كثيرة. ولستُ مستعدّاً أن أكون هذا الدكتاتور. لذا لن أجدّد. وقراري نهائي. ويصدرُ غداً بيانٌ بذلك»( )
حسْبُ الرئيس شهاب نزاهتَه وتعفّفه. حسْبُه أنه لم يجدّد رغم طلب أكثر اللبنانيين والنواب منه ذلك. في حين أحرق غيره البلد ولم يسأل عنه في دأبه الحثيث للتجديد وأحداث 1952، 1958، 1988، 2004، أمثلةٌ على ذلك.
وكنتُ خلال إقامتي الطويلة في باريس أتردّد على العميد ريمون إده في فندقه هناك، والعميد كان خصمَ الشهابية العنيد. ومرّة قال لي في ما يشبه البوح والإقرار (ت2، 1992): «فؤاد شهاب هو أهمّ رئيس جمهورية حكم لبنان»وتكفيه شهادةُ الخصمِ هذه.

العلايلي منظّراً للكيان اللبناني

والنموذجُ الثاني نختاره من الجانب الثاني من الوطن. شيخٌ معمّم، وفقيهٌ ومفكّر مميّز: إنه الشيخ عبدالله العلايلي.
كان العلايلي في طليعة المنظّرين لفكرة الكيان اللبناني، وممّن شاركوا في صناعة تاريخ الجمهورية الأولى على قواعد من السياسة المدنية مستعيضاً عن فكرةِ العصبية الدينيّة في بناء الدولة. وعندما اشتعلت نيرانُ الحربِ في لبنان أيقنَ العلايلي أن الكيانَ اللبناني مهدّدٌ في وضعه النهائي، فأصدر كتابَه الشهير في نقدِ السياسة اللبنانية وعنوانُه "لبنان: عنزةٌ ولا مرقد" مقترحاً سبلَ الخروج من النظام الطائفي الخانق لمفهوم الدولة المدنية. ومنبّهاً أن المواطنة لا تقوم على مفهومي الأكثرية والأقلّية داعياً، إلى نبذ ذينك المصطلحين من معجم المواطنة الحقّة ليندمج الكلُّ في الكلّ اندماجاً يحقّقُ مفهومَ الوحدة في التنوّع.
واتّفق العلايلي مع المهاتما غاندي في حركة اللاعنف والدعوة إليه. ورأى في الحلّ السلمي حلّاً ناجعاً للقضية الفلسطينية. وعبّر عن موقفه الرياديّ هذا في كتابه المميّز "فلسطين الدامية".
وفي علوم الأديان أسّس العلايلي في كتابه "دستور العرب القومي" مرجعية الدين الطبيعي في الفكر القوميّ، كمقدّمة لا بدّ منها إلى الأديان الوضعيّة المعبَّر عنها عند اللاهوتيين بالأديان الإبراهيمية الثلاثة، باعتبار أن الدين الطبيعي يستوعبُ ظاهرة الأديان الوضعية، ويصهرُها في بوتقته. وتبنّى العلايلي توسيعَ هويّةِ الإنسان، وتضييق هوّةِ الأديان. ورفع شعار: "لا الدين يُغلّ ولا هو يُستغلّ". وكان في نظرته ونظريّته في الدين رائدَ الانفتاح والعصرنة. وسبّاقاً في الدعوةِ والتمهيد لعصر سلام الأديان واحترام الغيرية وطيّ صفحة التكفير الدمويّة. وأكّد أن: "السبيل إلى الله تعالى لم يكن يوماً، ولن يكونه طريقاً وحيداً حانقاً خانقاً مأزوماً ضيّقاً. إذ إن لكلّ أحدٍ أن يسلُكَ إلى الله تعالى من طريقه" وكرّر بذلك، على طريقته، مقولة الصوفي نجم الدين كبرى: "الطرائق بعدد أنفاس الخلائق".( )
في طروحات العلايلي حلولٌ لكثيرٍ من مشاكِلِنا المستعصية.
"الدولةُ المدنية" يخنقها النظام الطائفي: دعوة صريحة إلى العلمانية، وإن بتغيير التسمية، بعد أن دأب الأصوليّون والمتطرّفون على شيطنة هذا المفهوم والمصطلح. ويؤكّدُ طابَعَ دعوتِه العلمانية هذه قولُه إن المواطنة لا تقوم على الأكثرية والأقلّية. فمطلبُ إلغاء الطائفية السياسية في لبنان مطلبٌ طائفي بامتياز، تروّج له اليوم فئات وتيّارات تعتبر نفسها الأكثرية العددية لكي تثتأثر بمقدّرات البلد وتتفرّد بحكمه. "لا الدين يُغلّ، أي يقيّد بالأغلال، ولا هو بالمقابل يُستغلّ، كما هي الحال عندنا وفي أكثر الدول العربية، حيث يكون الدين دوماً حجّة وذريعة للعنف وضرب المجتمع المدني، والقضاء على الحرّيات.

للمسيحيّة أيضاً دواعشها

ونحن جميعاً لا نرى التطرّف والتعصّب إلا في معسكر الآخر. لا نتوهمنّ أن الدواعشَ ظاهرةٌ محصورة في الإسلام، ففي المسيحية دواعشُها، وما أكثرُهم. ونحن نسمعهم، ونشاهدهم على التلفزيونات ووسائل التواصل: هذا يشيطنُ اليوغا، وذاك يهاجمُ الزواج المدني، ويرفضُه، ويعتبرُه زنى، إلى ما هنالك. ولن يقومَ لنا وطنٌ من دون محاصرةِ ظاهرةِ استغلالِ الدين السرطانية هذه.
ولا يتحقّق هذا الشعار إلا بفصل الدين عن الدولة.
والخلاصة فالعلايلي يدعو إلى دولة مدنية تقوم على المواطنة بمفهومها السمِح المعاصر. وصحيفة المدينة التي وقّعها رسولُ الإسلام مع يهودِ يثرب وسائرِ سكّانها كانت السبّاقة، ورائدةٍ في مفهوم المواطنة التي تقومُ على أساس الانتماء إلى وطن لا إلى دين.
"توسيعُ هويّة الإنسان، وتضييقُ هوّة الأديان". لا حلّ لمعضلتنا من دون أن نلتقي على مفهوم عابر للأديان، والعمل على نشر قيَم الأديان، كحلّ لصراعات أبناء الأديان. وعلى رأس هذه القيَم الإنسان: حقوقُه وحرّياتُه. وفي المسيحية: Pour êtrechrétienilfautd’abordêtrehumain. كي تكون مسيحياً، عليك أولاً أن تكون إنسانياً.
وفي ذلك يقول العلاّمة المونسنيور ميشال الحايك: «المسيحية تعلّمني كلّ يوم أن أكنس باب نفسي، وأن أغمض عيني، وأفتح ذراعي على الناس أجمعين، فلا يوقفني بغض، ولا تردعني عداوة عن محبّة كلّ إنسان، وكلّ شيء.»( )
وفي الإسلام: جاء في القرآن: {إنا عرضنا الأمانةَ على السماواتِ والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان} (الأحزاب33/72)، هذه الأمانة تجعلُني سواسية مع أي إنسان آخر، وفي الطريق الحنيف، يقول عددٌ من المفسّرين.( )
وفي الحديث الشريف: «الإنسانُ بنيانُ الله في أرضه، ملعونٌ من هدمه»( )

اللاعنف هو الحلّ


ومسألةُ اللاعنف: علينا أن نربّي أنفسَنا وأجيالَناعلى اعتماده نهجاً وحلّاً. وقد جرّبنا العنفَ والحربَ الأهلية والصراعات ورأينا إلى أي دَرْكٍ أوصلتنا. فالعنفُ ذو طبيعة ارتدادية، ويولّد حتماً العنف. ولنذكر هنا القانون الثالث لنيوتن: 3ème Loi de Newton
L’actionesttoujourségale à la réaction c à d que les actions de deux corps l’unsurl’autresonttoujourségales et de senscontraires.
ردّة الفعل تساوي دوماً الفعل. ما يعني أن مفاعيل جسمين الواحد على الآخر هي دوماً متساوية، وفي اتّجاهات متعاكسة.
ويدعو العلايلي إلى حلّ سلمي لا عنفي للقضية الفلسطينية: وهل علينا أن نقاومَ إسرائيل ونحاربَها لوحدنا، وعن كلّ العرب. ونحملَ بالتالي وحيدين، وفي وطن محدود المساحة وضعيف المقدّرات، وزر جريمة الأرض المغتصَبة؟
كما تكونون يولّى عليكم
وتبقى لنا بضع ملاحظاتٍ أساسية في سبيل البحث عن حلولٍ ناجعة: نحن نلومُ السياسيين والزعماء، ونذمُّهم، ونؤكّدُ على فسادِهم. ورغم ذلك نعيدُ انتخابَهم مرّة تلو أخرى، ونُبقي على هذه الطبقة الفاسدة متحكّمة بمقدّراتِ البلد. زعماؤنا وحكّامُنا مرآةٌ تعكسُ فسادَنا نحن، وطرقَنا الملتوية التي لا نرتدعُ عن سلوكها. "كما تكونون يُولّى عليكم". تقولُ القاعدة الفقهية والعربية القديمة كما صاغها الإمام مالك بن أنس.( )ولا يستقيم أي نظام إلا باستقامة الإنسان الذي يكوّنه ويمارسه.
ومن هنا فالتغيير الحقيقي هو القادمُ من الذات، من داخل كلّ فرد. وفي الآية القرآنية: {لا يغيّرُ الله ما بقومٍ، حتى يغيّروا ما بأنفسهم} (الرعد/11). وكم تعبّر هذه الآية عن معضلتِنا المزمنة في لبنان. ونحن شعبٌ سريعُ النسيان. يسهو عن التجاوزات والسرقات، ولا يحسابُ أيّاً على فساده وجرائمه، "الجماهير الغفورة، لا الغفيرة" كما كان يحلو لفليمون وهبه أن يقول. ومجتمعُنا المدني نفَسُه قصير، ولا يتابع: إضراب الخليوي، مثلاً، سكّر خطّك. منذ نحو سنة كان ناجحاً جدّاً، ولكنّه لم يُستتبع. ولم يأتِ بالتالي بنتيجة. وكذلك كان حال الحراكِ المدني في أزمة النفايات، ولن أطيلَ وأغرقَ في التفاصيل.
لبنان لا يزال رائداً في محيطه
وبعد، فهل الهجرة هي الحلّ؟ لقد احترفنا نحن اللبنانيين، في الحربِ وما بعدها، النومَ على أدراجِ السفارات بحثاً عن مفرّ من جحيم الصراع. درستُ الهجرةَ في كتاب لي( )، وعشتُهانحو خمسة عشر عاماً متواصلاً في أوروبا، ودولٍ عربية وشرقية. وقلتُ بشأنها وأكرّر:
L’immigration change le visage du Stress etsaforme, maisjamais son intensiténisa nature.
الهجرة تغيّر وجهَ العقبات وشكلَها، ولا تخفّف من حدّتها، أو تغيّر من طبيعتها. فنتوهّمُ لبُرهةٍ أننا تخطّينا العقبات، وتجاوزنا الصعوبات. وما يلبثُ هذا الوهمُ أن يتلاشى. فالتحدّيات والرهانات حاضرة في كلّ مكان وزمان. ولا يغربنّ عن بالنا هنا القول الشهير لنيتشه: «الشدّة التي لا تقتلني تقوّيني»( )Ce qui ne me tue pas me rend plus fort
ولو تفحّصنا الأوضاعَ في الدول العربية المجاورة، و«لا بدّ من ملاحظة الجوار لسبر ما يقال»، يردّد إخواننا الدروز في أمثالِهم.( ) لوجدنا أن هذا البلد، على علّاته، لا يزالُ سابقاً لأشقّائه وجيرانه في الكثير من المجالات. فالدولة اللبنانية مثلاً، لمّا تزل الدولة الوحيدة المحايدة دينيّاً. ودستورُها أقدمُ وأعرق وثيقة حكومية في منطقتنا (1926)، تضمنُ الحرّياتِ العامّة وحقوقَ الإنسان.
وخيرٌ من الغربةِ عن الأوطان، السعيُ الحثيثللقضاءِ على الغربة في الوطن. «أغربُ الغرباء، من صارَ غريباً في وطنِه» يقولُ أبو حيّان التوحيدي( ) ولا يكونُ ذلك إلا بالعودة عن استقالتِنا من مسؤولياتِنا تجاه بلدنا، والكفّ عن بيع أراضينا، والعمل الجماعي والفردي على العبور إلى دولة المواطنة والمجتمع المدني. فهي وحدُها خشبةُ الخلاص.
ويبقى لبنان الكبير وبعد مضيّ قرنٍ كامل على إعلانه، التحدّي الكبير، أو بالحري الرهان الكبير. ولا خيار لنا إذا شئنا لكياننا وللوطن والهوية البقاء سوى أن نواجه معاً التحدّي...كي لا نخسر الرهان
Tue Jan 29, 2019 6:55 am View user's profile Send private message Send e-mail Visit poster's website
Display posts from previous:    
Reply to topic     discoverlebanon.com Forum Index » لبنان ... باللغة العربية
   
Page 1 of 1

 
Jump to: 


 
 
  Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2020. All Rights Reserved

Advertise | Terms of use | Credits