Back Home (To the main page)

Middle East fine art store

 

Sections

About us

Contact us

 
 
Home > Panoramic Views

"أهمية التاريخ والجغرافيا في نشوء الأمم والشعوب" لجواد بولس

(هذه المقالة مستلة من كتيب بعنوان أهمية التاريخ والجغرافيا في نشوء الأمم والشعوب. وهذا الكتيب يحوي كل المحاضرة التي ألقاها الأستاذ جواد بولس في مدرسة راهبات المحبة - ذوق مكايل في الأول من حزيران 1980.)

أهمية التاريخ العلمي Importance de l’histoire scientifique

ان السياسة الرشيدة هي نتيجة الاختبار، وما اختبار الفرد بشيء يذكر بالنسبة لاختبار العديد من الأجيال البشرية التي سبقتنا من هذه الربوع. "فالحقيقة التاريخية هي حقيقة واقعية، لا حقيقة مبنية فقط على الاستنتاج العقلي أو المنطقي أو على الأوهام". "ان منطق الحياة لا يتوافق دائما ً مع منطق العقل المجرد".

La vérité historique est une vérité de fait, non une vérité rationnelle, la logique de la vie n’est pas toujours celle de la raison pure.

ان التاريخ هو سياسة الماضي، وسياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل. فالعوامل التي تقود الشعوب ماضيا ً وحاضرا ً لم تزل هي هي، بالرغم من كافة التغيرات السطحية التي حصلت هنا وهناك، لأن النفس البشرية لم ولن تتأثر تأثيرا ً عميقا ً، بهذه التغييرات الخارجية. لذلك فالتاريخ سيظل الدرس الأكبر للشعوب ولزعمائها السياسيين.

يقول المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل J Banville : " ان رجل الدولة الذي يجهل التاريخ هو كطبيب الذي لم يتردد على المستشفى ولا على المستوصف ولم يدرس الاصابات ولا السوابق".

Un homme d’Etat qui ne connait pas l’histoire, c’est un médecin qui n’est allé ni à l’hôpital ni à la clinique, qui n’a étudié ni les cas ni les précédents.

ان التاريخ المعول عليه كمدرسة سياسية واجتماعية هو غير التاريخ التقليدي أو العادي الذي يكتفي بسرد الوقائع والأحداث الماضية ووصفها وترتيبها. فهذا النوع هو اخباري مجلل أحيانا ً بثوب أدبي أو فني، ولكنه لا يوصل القارىء الى معرفة الحقيقة الراهنة، لأن فيه من كل فن خبر، فيغرف المرء منه ما شاء من الأمثلة، تأييدا ً لنظرية خاصة أو دحضا ً لنظرية معاكسة.

وهناك التاريخ الفلسفي أو فلسفة التاريخ، يعرض فيه المؤلف نظرية أو عقيدة أو فكرة فلسفية أو اجتماعية أو سياسية، ويؤيدها بأحداث تاريخية صحيحة. هذا النوع، كالنوع السابق، لا يوصل الى معرفة الحقيقة الراهنة لأن لكل امرىء مزاجه وفلسفته وذهنيته ونفسيته الخاصة، ويمكنه بسهولة أن يعثر في طيات التاريخ على أحداث صحيحة تؤيد ما يريد اثباته.

أما التاريخ المعتبر مدرسة ً فهو: على وفلسفة وعرض أحداث بآن واحد، ويطلق عليه اسم: التاريخ الكامل أو الجامع L’histoire totale. فهذا النوع يمكن من البحث والتدقيق للوصول الى معرفة الحقيقة الراهنة بالمعنى المخصص لهذه الكلمة Science علم اختباري Science expérimentaleكعلم الطب وعلم الطبيعيات الخ. له قواعده وسننه المستخلصة من حياة الشعوب وتطورها خلال العصور الماضية، منذ نشأتها حتى اليوم. هذه السنن، التي تهيمن على حياة الشعوب وتحركاتها ونشاطاتها في شتى الميادين، هي بدورها موجهة بعوامل عديدة أهمها: العوامل الطبيعية أو الجغرافية. لذلك قيل بحق "ان السياسة هي بنت التاريخ، والتاريخ هو ابن الجغرافيا، والجغرافيا لا تتغير".

La politique est fille de l’histoire, l’histoire est fille de la géographie et la géographie ne change pas

الجغرافيا عامل جوهري في التاريخ La géographie, facteur essential de l’histoire

قلنا سابقا ً ان لبنان كأكثرية بلدان العالم هو وليد الجغرافيا والتاريخ وارادة أهاليه. ان الجغرافيا الانسانية أو التاريخ الجغرافي يبين العلاقة بين الانسان والبيئة الطبيعية التي يعيش فيها وتأثير عناصر هذه البيئة على تطور الانسان والمجتمعات الانسانية. فالاسباب العامة التي تؤثر على هذه التطورات تتلخص ببعض عناصر، أهمها: البيئة الطبيعية أو الجغرافية، والطبائع الاثنية ومقتضيات الصراع من أجل الوجود. لكن، وبما أن الطبائع الاثنية هي نوعا ً ما من صنع البيئة الطبيعية، وبما أن مقتضيات الصراع من أجل الوجود، هي مسيرة بالطبائع الاثنية، فان ما ينتج عن ذلك هو أن البيئة الطبيعية، الناشئة من عوامل المناخ وطبيعة الأرض والموقع الجغرافي معا ً، عامل جوهري في التاريخ. لأن التاريخ الانساني يغوص بجذوره كلها في الواقع المادي للارض. "وعلى خريطة العالم نجد بقعا ً انسانية حية تلتصق لزمن طويل بالاماكن نفسها" J. Brunhes

يقول المؤرخ الفرنسي هنري بر(H. Berr): "ان الدور المفترض أن تلعبه البيئة الطبيعية لم يعد بحاجة تأكيد، فهو لا ينقصه سوى التحديد... فالمناخ والتربة والغذاء، تمارس كلها تأثيرا ً فيزيائيا ً ونفسيا ً مباشرا ً. ولعل طبيعة الأرض وأسلوب العيش الذي تفرضه البيئة ينعكس على تكوين الطبائع... فالبيئة تؤثر تاريخيا ً لأن الوضع الجغرافي يحث المجموعات الانسانية على التحرك أو بالعكس يحد من مجالاتها الحيوية... فالبيئة اذا ً محرك تاريخي قوي".

وعلى الأخص نرى أن "المناخ هو الذي يضفي طابع الوحدة والتشابه على منطقة فيها تباين جغرافي" (J Besancon). فهناك مناطق متجاورة ومتشابهة جغرافيا ً الا أنها تختلف من حيث المناخ والتربة، ولذلك فهي تسم سكانها بطبائع متباينة نوعا ما.

ويقول المؤرخ الفرنسي سينيوبوس: "ان الأمة الفرنسية تأثرت بطبيعة أرض البلد التي تكونت فيه والتي حددت نوع معيشة السكان. كما تأثرت بموقع البلد الجغرافي، الذي أقر علاقات شعبه بالشعوب الأخرى في العالم (Ch. Seignobos).

ويقول العالم الفرنسي "دي بلا نهول" (De Planhol): ان جبل لبنان "هو أعلى جبل في بلدان الشرق الادنى اذ يتجاوز علوه 3000 متر، كما هو الأكثر حظوة بالثروات المائية... وينعم، علاوة على هذا، باتصال مباشر بالبحر المتوسط، اذ تعلو سفوحه الموعرة خلجان الشاطىء ومرافئه... وهذا الطابع المزدوج الذي يجعل من لبنان الجبل العالي صنوا ً للاستقلال، ومن لبنان الجبل البحري انفتاحا ً على التأثيرات الخارجية، يفسر لنا كون لبنان دعامة لبناء سياسي من أقوى التكوينات السياسية في الشرق الأدنى ومن أكثرها أصالة.

والخصائص النفسية أو الطبائع وهي عناصر فطرية أو غريزية، وراثية وثابتة نسبيا ً وقد صاغتها وأثبتتها عوامل البيئة الطبيعية، تميز الشعوب واحدها من الآخر وتشكل "المحركات" الرئيسة في نشاطاتها.

ويختلف الأمر بالنسبة للطبائع المكتسبة بعد الولادة، كالعادات، والتقاليد الاجتماعية، وطرق المعيشة، واللغة والدين، والشرائع الخ)، فهي بحكم خضوعها للتربية والواقع الاجتماعي، عناصر خارجية، لا تنقل بالوراثة، وهي قابلة لأن تتغير. أما بالنسبة الى الدين، بشكل خاص، فمما لا شك فيه أن "تحول شعب أو فرد الى ديانة جديدة لا يغير من طبيعته... ففي الانسان تتراكم المعتقدات، الواحد فوق الآخر، كطبقات من دهان، لا تختلط ولا تزول. وخلاصة القول هي"أن البيئة الجغرافية حيث يعيش شعب ما، هي عامل جوهري ودعامة تاريخ لذلك الشعب".

يقول البعض ان اللبنانيين اليوم منحدرون من الفينيقيين، ويقول البعض الاخر من الكنعانيين أو الصليبيين أو العرب أو غيرهم من الأجناس البشرية. والحقيقة هي أن لبنانيي اليوم هم خلفاء الشعوب التي عاشت في البلد اللبناني منذ فجر التاريخ حتى اليوم، وأن البيئة الجغرافية اللبنانية قد طبعتهم جميعا ً بطابعها المميز، السبقين واللاحقين.

نذكر ان طبائع اللبنانيين هي حصيلة تأثير عوامل البيئة الجغرافية اللبنانية، المؤلفة من جبل شاهق مفتوح على البحر المتوسط. فجبل لبنان، كجميع جبال العالم، ينشط عند سكانه روح الاستقلال والحرية الفردية. والبحر خصوصا ً عندما يكون ممرا عالميا كالبحر المتوسط، فهو ينشط عند الشعوب التي تعيش على شواطئه، النزوع الى الاسفار والمغامرات والاتصال بالبلدان الغربية وتبادل البضائع والأفكار معها.

هذا هو لبنان الماضي والحاضر، وهذه هي أسباب تمسكه بالاستقلال والحرية والديمقراطية وتطلعه الدائم نحو البحر والغرب من جهة، ونحو البر والشرق من جهة أخرى. هناك أسباب طبيعية أخرى غير الجبل والبحر، كالأنهر الكبرى: النيل، والفرات، ودجلة، التي تروي أراضي خصبة ً وشاسعة الأرجاء، جعلت أسس المجتمع والاقتصاد والحضارة في مصر والعراق: النشاط الزراعي منذ فجر التاريخ. أما في لبنان الحاضر كما في لبنان الماضي، أي لبنان الكنعانيين والفينيقيين ومن خلفهم، فان أراضيه لا تكفيه لسد حاجاته الغذائية من المنتجات الزراعية. فاظطر أن يعوض عن ذلك بالتجارة البحرية مع العالم الخارجي.

فالتاريخ يرينا أنه كما حدثت أمور سببت اقفال البحر على لبنان خلال العصور الماضية، كانت نتيجة ذلك كارثة على هذا البلد، خصوصا ً اذا طالت. أكبر مثل على ذلك حالة اللبنانيين خلال الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 حيث مات ربع سكان لبنان جوعا ً بسبب اقفال البحر، وحالة اللبنانيين خلال الحرب العالمية الثانية 1939-1945 حيث كان الازدهار الاقتصادي عظيما ً في لبنان، بسبب بقاء البحر مفتوحا ً على اللبنانيين.

ان الشخصية السورية هي أقرب الشخصيات الشرقية الى الشخصية اللبنانية. الا ان اختلاف البيئة الجغرافية في البلدين، رغم التصاقهما جغرافيا ً، يجعل منهما اقليمين مختلفين جغرا فيا ً، ومكملين أحدهما الآخر من الوجهة الاقتصادية.

ان ما يميز البلدين الواحد عن الآخر، ماضيا ً وحاضرا ً، هي سجايا وطباع ناتجة عن أسباب جغرافية واقتصادية وتاريخية مختلفة. فكل من البلدين يتميز عن الآخر على صعيد المناخ والموقع الجغرافي.

فالمناخ وهو العامل الأكبر الذي يميز بين الأقاليم، يختلف في كل من البلدين: فهو جبلي وبحري في لبنان، وصحراوي وبري في سوريا. ويفصل بين هذين المناخين جبال عالية، هي جبال لبنان والسلسلة الشرقية، التي تشكل سدا ً منيعا ً بين الصحراء والبحر.

ثم ان هناك طبيعة الأراضي وموقعها الجغرافي. فالشطوط اللبنانية ومرافئها البحرية ونزارة الأراضي الزراعية. بالنسبة الى الاراضي الجبلية، وقد حتمت على اللبنانيين منذ القدم، ممارسة النشاط التجاري البحري والاتصال ببلدان ما وراء البحر. مما أضفى عليهم كما ذكرنا سجايا وطباعا ً خاصة. أما في سوريا فان المدن الكبرى، وهي مرافىء برية على شواطىء الصحراء، واتساع الاراضي الخصبة والمروية، قد فرضت على السوريين منذ القدم الاهتمام بالزراعة والنشاط التجاري والبري، والاتصال من أجل ذلك بالبلدان الاسيوية شرقا ً، مما أضفى عليهم أطباعا ً خاصة وتطورا ً تاريخيا ً خاصا ً.

ان تاريخ البلدين، لبنان وسوريا منذ آلاف السنين يثبت هذه الحقائق الراهنة، ويثبت أيضا ً أن الوحدة السياسية بينهما أو ما كان يسمى "سوريا الكبرى"، فاني لم أجد أن هكذا وحدة قد تمت طوال الأجيال الماضية، باستثناء عهد الفتوحات والسيطرات الأجنبية، الشرقية أو الغربية، التي عرفتها بلدان هذا الشرق مرارا ً عديدة والتي كانت تجمع هذه البلدان تحت نير أجنبي واحد طوال مئات السنين. وفي تلك العهود المشؤومة كانت هذه البلدان الشرقية مقسمة الى مقاطعات عديدة، ترتبط كل منها بالسيد الأعلى، ملك، شاهنشاه، أمبراطور، خليفة، المقيم في مقره الرئيسي أي عاصمة ملكه، أو بممثليه.

مفهوم التاريخ Le sens de l’Histoire

ان الانسانية، منذ وجودها على الأرض، اهتمت بأن تفهم ماضيها وأن تتصور مستقبلها بواسطة التاريخ، الذي هو أقدم العلوم الانسانية والذي اتخذ أشكالا ً متعددة. ومنذ مائة سنة تقريبا ً فان التاريخ بدأ يأخذ الشكل العلمي، الذي حاول الأخذ به علماء الاغريق، منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ثم المؤرخ العربي التونسي ابن خلدون في القرن الرابع عشر بعد الميلاد.

ان البعض يعتقد أن التاريخ لا مفهوم له على الاطلاق. وهذا البعض يقول ان التاريخ لا وضوح فيه، فهو "لا يجزم في شيء لأنه يحتوي كل شيء ويعطي أمثلة عن كل شيء". ان هذه الاعتراضات أو الانتقادات، الصائبة في ظاهرها، تنطبق نوعا ً ما على التاريخ التقليدي، سواء كان اخباريا ً أو وصفيا ً أو تحليليا ً.

الا أن الأمر يختلف بالنسبة للتاريخ العلمي فهو يبحث عن السنن Les Lois التي تسير مجرى الأحداث التاريخية وعن الأسباب التي تولد هذه الاحداث. ففي التطور التاريخي للمجتمعات الانسانية، ان الأحداث المتتالية، هي الأسباب والنتائج معا ً. وهذه الأسباب منها ما هو عميق وبعيد ومنها ما هو مباشر وخاص. فالأسباب العميقة أو البعيدة هي التي تسبب الأحداث أو تجعلها ممكنة، بينما الأسباب المباشرة هي التي تثيرها وتفجرها.

فالتاريخ العلمي، اذا ً، ليس مسلسلا ً من الأحداث الصغيرة، بل هو حصيلة مزيج من الأحداث الكبرى. فالتاريخ العلمي ينحو الى ارساء حقائق عامة تستخلص منها تنوع الأحداث الخاصة، والى اكتشاف الاسباب العامة، أي السنن أو الثوابت التاريخية التي يمكن من خلالها شرح تسلسل الأحداث المعروفة. فهناك من جهة سنن التعايش الاجتماعي ومن جهة أخرى سنن التتابع التي تحدد التطور التاريخي للمجتمع عبر العصور. وعلى هذه الأسس ان للتاريخ مفهوما ً ومعنى، شرط أن نحسن قراءتهما وتفسيرهما.

منافع التاريخ Utilité de l’Histoire

ان التاريخ العلمي لا يمكنه أن يعطي اليقين الذي تعطيه العلوم الرياضية، الا أنه يقدم للناس وللمجتمعات تنويعا ً غنيا ً من الاختبارات الاجتماعية والركائز الدائمة أو الثابتة والحقائق الرئيسية، مما يجعل تعاليمه العلمية ذات قيمة عالية: " وهكذا فالانسان لا يفهم حاضره الا بماضيه، وماضيه الا بحاضره... ومهمة المؤرخ هي أن يحكم الربط بين الحاضر والماضي وبين الحاضر والمستقبل" (H. Berr).

"ففائدة التاريخ الرئيسة، هي أن يظهر نتائج النشاطات الاجتماعية وردات الفعل التي تعي تلك النشاطات، بالاضافة الى تأثير البيئة الطبيعية على الأفراد وعلى المجموعة بكاملها... ان ما يمكن تحديده فهي "الميول" الطبيعية للتطور الاجتماعي و"الحدود" التي تتحرك ضمنها تلك الميول العامة".

ان التاريخ خزان كبير للتجارب المتراكمة. ولأنه كذلك، فهو مدرسة سياسية حقيقية، لأنه يشركنا في معرفة اختبارية للانسانية هي أشمل وأكثر تنوعا ً من ملاحظاتنا الشخصية. ووحدها المعرفة التاريخية هي التي تقودنا لنكتشف في الاحداث الحالية سر تركيبها وتجاوبها.

وهكذا فالقوانين التي يضعها البشر، والاجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتخذونها، يجب - كي تنجح وتدوم - أن تتلاءم مع البيئة، وأن تراعي الميول الطبيعية للمجتمع الذي تطبق فيه، وحدود هذه الميول. أما "التغيرات الاجتماعية المتخذة بقرارات والتي غالبا ً ما تصدر عن ساسة متسلطين قصيري النظر، فدائما ً تنتهي بكوارث... فالامة لا تتبدل بقوانين، لأن تقدمها ينتج عن تطور النفوس " (G. Lebon).

لذلك فمن واجبنا أن نبحث في ماضي الشعوب، كيف تصرفت تلك الشعوب في ظروف مماثلة، وليس في ظروف الحياة العادية. فحين يهتز بعمق تاريخ شعب من الشعوب، تظهر الطبائع الاثنية بما فيها الامكانات الحقيقية في الفعل وردة الفعل. لكن لسوء الحظ، وبالرغم من أن الحقيقة، في السياسة كما في التاريخ "هي حقيقة واقعية وليست حقيقة عقلانية" فاننا كثيرا ً ما نرى الواقع يترك مكانه للوهم المولد للمذاهب والايديولوجيات والغيبيات المختلفة، التي تتسبب بأضرار كبيرة للعالم، لأنها تقوم على تجريدات أو أفكار عاطفية لا تمت بصلة الى الواقع الايجابي.

ومما لا شك فيه أن التقدم العلمي والاختراعات التقنية قد غيرت وجه عالم عصرنا، لكن الانسان نفسه، الذي أحدث هذه التغييرات، لم يتغير في غرائزه الدفينة. كما أن الوجه الانساني في المشاكل السياسية والاجتماعية لم يتغير منذ أقدم العصور. ففعل سنن التاريخ التي ما زالت تتحكم بحياة ونشاط شعوب اليوم، ما زال مسيطرا ً. والطبائع النفسية للمجتمعات لم تتبدل قط منذ ما قبل التاريخ. "فالمعارف قلما تخترق الطبائع، اذ هي تبقى وكأنها طافية" (Merion). والتقدم ليس الا في شروط الوجود. "واذا ما كان العقل قد تقدم مع مرور الأزمنة، فالعواطف المسيطرة على الناس تبقى على حالها... ولا تستطيع أي ثقافة أن تمحو الميول الموروثة عن الأسلاف" (G. Lebon).
ان جهل هذه الحقائق الرئيسة يزجنا في حسابات خاطئة. فأحداث الماضي تظهر بوضوح أن خرق سنن التاريخ لا يبقى بدون عقاب، وأن كل عمل انساني مخالف لهذه السنن لا بد وان ينقلب أو يتحطم عاجلا ً أم آجلا .

لا شك ان الحرية تلعب دورا ً مهما ً في حياة الانسان ونشاطه، لكن هذا النشاط لا ينجح ولا يدوم الا اذا توافق أو تناسق مع سنن الحياة.

"ان العجز العام عن ادراك قوة سنن الطبيعة والحياة يعود، بدون شك، الى أن هذه السنن لا تفعل فعلها الا بعد وقت طويل في أغلب الاحيان... فالحالي المنظور يخبىء البعيد غير المنظور الذي لا بد أن يأتي" (G. Lebon).

ومن جهة أخرى، فان السنن التي تحرك العالم الطبيعي وعالم الحياة، تدمر بدون انذار من يحاول تجاوزها و "لا يستطيع أحد أن يخرق سنن الحياة بدون عقاب".

لبنان: المفهوم والتحديات

 

 


Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved


Advertise | Terms of use | Credits