Back Home (To the main page)

Middle East fine art store

 

Sections

About us

Contact us

 
 
Home > Panoramic Views

"في القومية اللبنانية" كمال يوسف الحاج

فلسفة القومية

معضلة اللغة وضعتني وجها ً لوجه حيال معضلة القومية. ذلك لأن اللغة أقنوم صميمي في الانسان الذي لا يحوز كينونته الانسانية الا بها. الأمر الذي حداني على التساؤل عن الانسان ذاته في ما يستتبع اللغة. أي في القومية. قلت ان اللغة هي غاية. وأتابع فأقول انها دائما ً لغة قومية. شيء طبيعي ان انتقل من لغة القومية الى قومية اللغة.

هنا أيضا ً رأيتني أسير وفق روح المنهجية التي ترسمتها في كتابي " فلسفة اللغة". أقصد التوفيق بين الجوهر والوجود. بين العام والخاص. فتناولت القومية أولا ً باعتبار المطلق تماما ً كما تناولت اللغة باعتبار المطلق. أجليت معناها في الشامل دون أن أعين القومية التي بها أؤمن. وقد انحصرت النتائج، التي أدركتها، في نفطتين رئيسيتين: الانسان ثنائي التأليف. فهو ابن الأرض، في وجوده القومي، بطريق الجسد، الذي يربطه بالزمان والمكان. وهو ابن السماء، في جوهره الانساني، بطريق الروح التي ترفعه فوق الزمان والمكان. تلك هي حقيقتنا. تأرض وتسام. تقومن وتأنسن. اذ لا جوهر للجسد بدون الروح. ولا وجود للروح بدون الجسد. لذلك نخطىء يوم نجنح بأنفسنا نحو انسانية منفتحة كل الانفتاح فنقع في المثالية المترهلة. ونخطىء أيضا ً يوم نجنح بأنفسنا نحو قومية منغلقة كل الانغلاق فنقع في الواقعية المتزمتة. جميع الادلة تشير الى أن الانسان يتزمكن في اتجاه المطلق الذي لا يتزمكن. وهكذا يتحصل أن القومية مركوزة في ذوويتنا ارتكاز الانسانية عينها. أي أنها شعور انساني وقف. اذا ً هي معطى بديهي في وجداننا.

من العبث والحالة تلك أن نلغيها. الانسان هو كائن قومي تماما ً كما هو كائن انساني. وعليه فلا ثغرة بين القومية والانسانية. ولا فاصل. هذا هو موضوع كتابي "في القومية والانسانية".

ما ان ظهر الكتاب حتى رشقتني بعض الأقلام بنقد يدور على أن القومية مرحلة. هنا رأيتني مسوقا ً الى زيادة في الايضاح. فقد شعرت بالفجوات في كتابي. لذا نشرت كتابا ً ثانيا ً بعنوان "القومية ليست مرحلة"، أوضحت فيه ما لم يوضحه المؤلف الأول.

قلت ان المرحلية تتناول علاقة الوجود بالوجود لا علاقة الجوهر بالوجود. أعني انها تتم بين وجود سابق ووجود لاحق. وبذلك نبقى في نطاق الوجود. الجوهر الجوهر، في انخفاضه نحو الوجود، يظل جوهرا ً. والوجود الوجود، في ارتفاعه نحو الجوهر، يظل وجودا ً. من هنا كان ارتباط الجوهر بالوجود عموديا ً أو تجسيديا ً لا أفقيا ً أو انتقاليا ً. فعندما يدعي المرحليون أن القومية مرحلة يصيبون ويخطئون في آن واحد. يصيبون باعتبار ان الانسان ينتقل من شعور قومي سابق الى شعور قومي لاحق. أو من حالة الى حالة في القومية ذاتها. ههنا تقع المرحلة تماما ً كما تقع في العائلة مثلا ً التي تمشت على سنن التطور في كل نظام اجتماعي. الا أن العائلة لم تضمحل باعتبار الجوهر. لقد ظلت حتى الآن منذ ان كان الانسان. هكذا القومية. لقد عرفت عدة اشكال في الماضي. الا انها ما زالت موجودة من حيث جوهرها. وهل نتأنسن الا في التقومن؟ الانسانية لا تقوم على ن يطلق الانسان كل قومية. فان ذلك لمن رابع المستحيلات. اذ الانسانية الصحيحة هي انسانية قومية كما ان القومية الصحيحة هي قومية انسانية. وعليه فهناك دائما ً شعور قومي. مما يفيد ان القومية صلب من اصلاب جوهرنا الانساني. والجوهر لا يتغير. فالمرحليون يخطئون باعتبار ان الانسان لا ينتقل من شعور قومي الى شعور لا قومي. ولكن من شعور قومي سابق الى شعور قومي لاحق. أو كما قلت من حالة قومية الى حالة قومية في القومية ذاتها.

الى هنا أكون قد أكملت القسم النظري من فلسفتي للقومية بفضل هذين الكتابين اللذين أميل الى نشرهما ثانية في مؤلف واحد بعنوان: "فلسفة القومية". يبقى أن أعين قوميتي. بذلك أنتقل الى القسم التطبيقي.

القومية اللبنانية

من القومية على صعيد النظر العام (تلك هي الفلسفة) الى القومية اللبنانية على صعيد العمل الخاص (تلك هي السياسة). لقد أعلنت في عدة محاضرات أن القومية اللبنانية موجودة. وهي قوميتي. بها أدين. وفيها أجاهد حق جهادي. وبغيري لا أؤمن. أما الدليل على وجودها فكما يلي:

من الثابت ان الجوهر غير موجود في الجوهر غير موجود في الجوهر. وانما في الوجود. والوجود المقصود ههنا يتناول عنصر المادة كما يتناول عنصر البشر، اذ لا بد للجوهر من مادة تمظهره ومن بشرية تقيمه. ذلك لأن جوهرا ً لا تمظهره مادة ليس بجوهر. ولأن جوهرا ً لا تقيمه بشرية ليس بجوهر. أعني بالمادة طاقة جغرافية اقتصادية (تلك هي الطبيعة). وأعني بالبشرية علاقة فرد بفرد ضمن الزمان والمكان (ذلك هو المجتمع).

اذا ً هناك وحدة طبيعية قوامها الأرض والاقتصاد. وهناك وحدة بشرية قوامها التاريخ واللغة. يتحصل هكذا أن الانسانية غير كائنة في الانسانية. وانما في مجتمعات متباينة الأرض والاقتصاد والتاريخ واللغة. التعبير الأكمل عن تلك الخطوط البيانية هو في الكيان السياسي الذي يجعلها دولة. نقول ذلك لأن الانسان غير قادر أن يزاول حريته التامة الا في نطاق الوحدة القومية. والكيان السياسي تجسيد لهذه الوحدة. لذا عندما نجد كيانا ً سياسيا ً نكون ازاء قومية. من هنا انطلقت نحو الايمان بالقومية اللبنانية. ثمة كيان سياسي لبناني واضح المعالم.

الذي أفسد مفهوم القومية، لدى الكثيرين، هو الاكتفاء بعنصر من عناصرها. التاريخ مثلا ً. أو الأرض. أو اللغة. أو الدين. أو الارادة المشتركة. في حين أن مثل القومية مثل الانسان عينه من حيث التعقيد. هي مجموع كل العناصر تلك. القومية هي الأرض. والأرض هنا ليست تحديدا ً خرائطيا ً يتفق عليه بشكل تعسفي. انها اكثر من ذلك وأعمق. هي تجسيد لحنين الانسان الى الوطن. القومية هي الاقتصاد. والاقتصاد هنا ليس مجرد فضول علمي نجده عند كل شعب من الشعوب. انه أكثر من ذلك وأعمق. هو ما يشد الروح بالجسم في حيز معين من الزمان والمكان. القومية هي التاريخ. والتاريخ هنا ليس عملية سرد كمي لحوادث قد مضت. انه أكثر من ذلك وأعمق. هو التجربة الوحيدة التي يطلع بها القوم على ملامح هويته. هو مصدر حقوقه وينبوع واجباته. كل دقيقة في حياة القوم تاريخ. فان جهله جهل نفسه وأنكر قوميته. وأخيرا ً القومية هي اللغة. واللغة هنا ليست قرع الشفاه. انها اكثر من ذلك واعمق. هي ارفع المراقي الذهنية التي يتغلب فيها الانسان على كل شيء هروب. وهكذا يبقى ويخلد. اللغة هي كلمة.

قلت لا شيء يفصح عن تلك الخطوط الأتافيسمية والاسكاتولوجية الا الكيان السياسي الذي يأتي كتتويج لها يشير الى نضوجها في نطاق الحق الدولي. الكيان السياسي يتخطى السياسة. هو أكمل تعبير عن معنى جنسي بعيد الجذور. اذا ً ليس بالأمر التافه أن يكون للشعب كيان سياسي معترف به. وبالتالي ليس أمرا ً تافها ً أن نركز فحوى القومية على الكيان السياسي. مما يفيد ان القومية هي وجود سياسي كما ان الوجود السياسي هو قومية.

اشارة عابرة يجدر ذكرها في هذا المجال. هناك بعض الفارق بين القومية والشعور القومي. الشعور القومي هو قومية بالقوة. القومية هي شعور قومي بالفعل. اذا عجز الشعور القومي عن التجسيد في كيان سياسي بقي رغبة أو أمنية، دون ركيزة حقوقية تمظهره وتعلنه للملاء. بقي ذاتا ً بالقوة. في ضوء هذا التحليل، نفهم أن يكون فوق أرض لبنان تيارات قوية، في الكم والكيف من الشعور بقوميات أخرى. أقول من الشعور لأننا لا نستطيع انكار وجودها عند فئات كبيرة تؤمن بها. وتجاهد في سبيلها. لكنها عجزت حتى الآن عن ان تتجسد في كيانات سياسية ظاهرة. لذا هي ليست بقوميات. وتحقيقها في كيانات سياسية أمر عسير. بل غير ممكن. ذلك لأنها لا تحمل فيها قابليات أتافيسمية واسكاتولوجية صحيحة. لا تحمل معها تذاكر مرور من محكمة التاريخ الكبير.

لا شك أن جدة نظريتي هي علة الاستغراب الذي انتاب الرأي العام يوم اعلنت قوميتي اللبنانية ذهابا ً من الكيان السياسي، اي ذهابا ً من ربط القومية بالدولة. اللبنانيون بهتوا. وغير اللبنانيين في لبنان دهشوا. ان تركيز القومية على قاعدة الكيان السياسي لم نألفه. ذلك لأننا ما زلنا ننظر الى هذا الكيان نظرة سطحية. أي عملية تقسيم قامت بها الدول الغربية. كياننا السياسي أكثر من ذلك وأعمق. ان له جذورا ً أتافيسمية جاءت تحقيقا ً لها وتجسيدا ً. وعندي ان كل ما قيل على اساس آخر هو خيال بخيال. وجبن اللبنانيين من علان قمميتهم يعود الى غياب الآلة المبرهنة. فالانطلاق من الكيان السياسي نهج أمثل يرجع الفكر العربي الى المنطق الصارم. ويعطي اللبنانيين القوة المعنوية الكافية للتصريح، دون خوف، عن قوميتهم اللبنانية.

هنا ينبغي لنا أن نضفي على الكيان السياسي معنى غير سياسي، اذ هو أرفع ما في مجالاتنا الانسانية. الكيان السياسي هو خلاصة مواضي الشعب. وزبدة نضالاته في الحاضر. وملتقى آماله في المستقبل. هو مجمع الطاقات البشرية والامكانات الطبيعية. أجل! الكيان السياسي تعبير عن كل ذلك. فغيابه دليل الى ان تلك الطاقات والامكانات ما زالت دون المستوى النضوجي. وحضوره دليل الى أنها قد أدركت الوعي الكافي الذي يجعلها تتمتع بأجمل ما في الحياة. عنيت الحرية الفعلية.

لم نعتد في لبنان هذا المعنى اللاسياسي للكيان السياسي. اعتقدنا ان كياناتنا السياسية هي ما هي لأن الدول الغربية ارادتها كتلك. هنا علة ضعفنا السياسي الذي يجب ان نثور عليه. ولا أتنكب عن القول ان البلاد العربية لم تألف بعد هذا المعنى اللاسياسي. لقد اكتفت بالقريب منه. ولم تنتبه ان الكيان السياسي لا يمكن فرضه من الخارج مئة بالمئة. ذلك لان السياسة هي ارفع رسالة انسانية يقوم بها المرء. واصعب ايضا ً. هي التاريخ ذاته في حركة صاعدة. مما يوضح ان الانسانية لا تتطور الا بفضل العمل السياسي.

كياننا السياسي نحن اللبنانيين هو اثمن ما لدينا. هو ارضنا، واقتصادنا وتاريخنا. هو ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. هو نظرتنا الفلسفية الى الوجود. هو المعنى الانساني الذي لنا بين الشعوب فقيمتنا الحضارية عبر الزمن. هو سقفنا المثالي. هو ترسنا. وهو سيفنا من اجل الذود عن السقف. فهل نلام اذا ناضلنا في سبيله؟ وفلسفناه؟

تاريخ الفلسفة اللبنانية

القومية بحاجة الى الفلسفة كي تترسخ عقيدة في النفوس. حينئذ ترتفع الى مصاف القضايا المصيرية. وتغذو يقينا ً وجدانيا ً. ان القومية ليست ضرورة حيوانية فينا للذود فقط عن متطلبات الحرية الجسمية. قومية كتلك تحمل فيها معنى القريب. والشحيح. والسهل. وهي كلها نعوت يتصف بها العمل الطارىء. فلكي تصبح القومية اللبنانية ثابتة في العقول ثبوتها في الجسوم ينبغي لها ان تقوم على فلسفة منبثقة من التاريخ اللبناني. لذا واجب العمل في سبيل كتاب يدور حول "تاريخ الفلسفة اللبنانية". هذا ما أفعله في الوقت الحاضر. يبقى شيء. علي ألا أستنتج تلك الفلسفة مما يتوهمه الخيال. ذلك لأن الفلسفة الحقة هي استقراء. أو استنتاج مستقرا ً. أقصد أنها من صلب كياننا الآدمي لا من نسج الواهمة كما يروقها. فان لها ثوابت في حياة الشعوب لا تتغير مع الزمن. ولا تتبدل. هنا يطرح السؤال التالي: اين ثوابت الفلسفة اللبنانية التي تعبر عن ذاتنا القومية؟ اين مكونات فلسفتنا؟ الجواب: انها في مواضي التاريخ اللبناني. اليه يترتب علينا ان نرجع لنذهب منه. لهذا اغالط بعض الاحزاب السياسية عندنا التي تحاول ان تستقرض فلسفات الغرب. والسبب معلوم. ان فلسفات الغرب هي للغرب، فقط، وان كانت الفلسفة ذات جواهر شاملة. هناك مبناها. وهناك طرائقها التدليلية. وهناك تحاليلها وتفاسيرها. كلها مواصفات اقليمية لها حق الصدارة في الفلسفة. وهي خصائص لا تستعار كما لو كانت شيئا ً من الاشياء.

فلسفتنا اللبنانية يجب ان تطل علينا من تاريخنا اللبناني. اذا ً نحن مسوقون الى ان نستجوب ما كانه قدامانا حين جبهوا المعاضل الانسانية. منهم نحن اليوم كما نحن. وكما سنكونه في الآتي. غير ان استجواب تاريخنا، بهذا الصدد، عمل شاق للغاية. ذلك لان الكتب التي حبرها أجدادنا فتفلسفوا حقا ً فيها، نادرة جدا ً.

الا ان ندرة الكتب لم تعثرني. لقد آمنت بضرورة ايجاد تاريخ للفلسفة اللبنانية يبين لنا النهوج الفكرية التي دافع بها قدامانا عن انسانيتهم. وهي التي ما زالت روحها في روحنا. وسلكها في سلكنا. فشمرت للامر، سبوقا ً الى غاياته، لا يفوتني مطلب، ولا تثبطني عقلة. وها انني اخوض الغمار. ولا اتنكب عن التصريح، منذ الآن في محكمة التاريخ، للتاريخ، ان مواضينا الفلسفية مفخرة. فلقد كان لنا اقدمون هم من الابطال في البيان والتبيين. ومن الجهابذة في التحليل والتدليل. ومن الراسخين في الجدل والقراع بما يفحم. جبهوا مغاليق النفس البشرية. فغاصوا على اسرارها. ووقفوا على اغراضها البعيدة. كانوا من اعيان الوجدان واعلام اللسان. الا ان روائعهم تنوء تحت الغبار. وقد ضاع جلها. لذا عملنا شاق. اذ يترتب علينا ان نبعثها من جديد. ونستقرىء ما بقي منها سالما ً.

وان انس فلن انسى الاشارة ههنا الى ان جهود المسيحيين هي في قاع هذه الفلسفة. ومن ثم جهود المسلمين. لقد رفعوا قببها، وثبتوا قواعدها، كما رسخوا القومية اللبنانية. اجل! لقد ناضل الطرفان لقيم هي بحت القومية اللبنانية. وهكذا خطوا أول فاتحة لاستقلالنا اليوم. مؤسف ان نجهل ذلك التراث العظيم فلا تمتد اليه اقلام اهل التقصي عندنا.

ان تراثنا اللبناني في الفلسفة لتراث مشرف، لتراث يكشف عن حرارة وجدانية لاهبة تدخل في باب السياسة والاخلاق. فلماذا لا نلملمها، ولا نعيدها على مسامعنا، الآن، لتكون بجانب الفلسفات الكبيرة، الاخرى، التي تشعشع تحت سمائنا؟ اقول ذلك ليقين مني ان الفلسفة هي ام المعارف الانسانية. والشعب المتفلسف له وحده حق الصدارة في مجالس الامم الراقية. وحده تسمع كلمته عبر التاريخ. وحده يقيم رجة في مساحب الزمان. فيقود ولا يقاد. لنرجعن اذاً الى اسلافنا الذين جالوا وصالوا بالعقل الجريد في فضاءات الغيب. انهم خير ينبوع لنا من هذا القبيل.

فلسفة الميثاق الوطني

لم اكتف باعلان قوميتي اللبنانية. لقد طرحت على نفسي اخطر سؤال بصددها. اين مجال القوة فيها؟ الى اي شيء تستند؟ وماذا تعكس من قيم حضارية؟ السؤال، قلت، خطير. وقد اجبت عنه في كتابي "الطائفية البناءة أو فلسفة الميثاق الوطني". ألخص الجواب في ان عظمة القومية اللبنانية تنبثق من كونها طائفية. أشرح ذلك بما يلي:

الانسان كائن ديني أساسا ً. يعني لا وجود للالحاد. حتى الماركسية فهي دين مقلوب. والسياسة كغيرها من النشاطات الاجتماعية تعبر عن دينية هذا الكائن فينا. اذ الدين نشاط اجتماعي ايضا ً كسواه من النشاطات الاجتماعية. مما ساقني الى عدم الايمان بالعلمانية في مجالات السياسة. فقد تطبق الحكومة العلمانية في مسالكها الادارية. اما الدولة فهي اسمى صيغة حقوقية للوحدة الاجتماعية. لذا لن تكون بدون نظرة فلسفية الى الوجود. اي بدون دين. اذا ً لا قومية بمعزل عن تفسير ديني للكون.

وقد نحت كلمة "نصلامية" للتدليل الى ان القومية اللبنانية هي زواج حضاري بين النصرانية والاسلامية. لبنان ليس مسيحيا ً ولا مسلما ً. بل هو التناغم بينهما. هنا تقوم عظمة القومية اللبنانية. اي في الميثاق الوطني الذي حافظ على الطائفية.

لا شك أن استعمالنا الخاطىء لكلمة طائفية قد أفسد عليها فحواها الايجابي البناء. فانبغى لي ان اعيدها الى أصالتها الدينية الحقة بعد ما تأكدت انها أهم قاعدة تتمدمك عليها قوميتنا اللبنانية. من هذا المبدأ انطلقت في كتابي. لقد حرصت في بادىء بدء، على تحديد الطائفية، بمعناها الفلسفي. أبنت أولا ً انها ليست التعصب. ثم ربطتها بالدين تماما ً كما ربطت الوجود بالجوهر. الطائفية وجود لجوهر الدين. وكما ان الجوهر لا يزاول في الجوهر، وانما في الوجود، هكذا الدين. فانه لا يزاول في الدين، وانما في الطائفية. الطائفية هي مجموع الطقوس والشعائر التي يمارسها الانسان تعبيرا ً منه عن الجوهر الديني. لذا كانت الطائفية واجبة الوجود. تماما ً كواجب وجود القومية بالنسبة للانسانية. أو اللسان بالنسبة للوجدان. وهي، اي الطائفية، ظاهرة اجتماعية، كباقي الظاهرات. تدخل جبرا ً في باب التراث القومي.

وعليه فالدين متأصل في لبنان. وقوميتنا هي نتيجة عدة تيارات دينية تلخصها اليوم "النصلامية". وحيثما الدين هناك الطائفية التي لولاها لما كان لبنان في شكله الحاضر. فيوم تزول هي يزول هو معها. وهو باق ما دامت هي باقية. رحم الله ميشال شيحا الذي قال: "ان لبنان هو، والى وقت طويل، بلد التسوية الطائفية. يجب اذا ً الا نطلب منه ان يعاكس طبيعة الاشياء. اذ من الافضل له ان يعيش اعرج من ان يحطم اضلاعه". لا فض فوه. الا انني اعدل ما كتبه بعض التعديل، اقول: "ان لبنان هو دائما ً وابدا ً بلد التسوية الطائفية. يجب اذا ً الا نطلب منه ان يعاكس طبيعة الاشياء. والا عرج وحطم اضلاعه".

الطائفية عندنا هي الاستمرار الحق لتسوية اسكاتولوجية بين جناحي لبنان. اي انها اكثر من ترضية ادارية. أو هي صهر اخوي لدينين عظيمين في قومية واحدة. بل هي النقطة التي يلتقي فيها غرب وشرق. وقد عبر عن ذلك التمازج الحضاري ميثاقنا الوطني الذي اخطأ بعضنا فهمه عندما نظروا اليه كتسوية ادارية في ملاكات الحكومة. الميثاق تخطى صراحة التعادل الاداري في الحكومة الى تعادل حضاري في المشاهدة الباطنية بين مسلمي الشرق العربي ومسيحييه. عنى، وبصورة مباشرة، الحفاظ على المسيحيين في الشرق العربي. بفضله يتمتعون اليوم بحرية الضمير. الامر الذي لا يمكن له ان يتم اذا كان المسيحيون العرب لا يزاولون الاستقلال الذاتي في كيان سياسي حر يرئسه مسيحي. ففي الشرق العربي ما يقارب السبعة ملايين مسيحي. ولا اخال احدا ً يجهل مدى تلك الطاقة المسيحية في القضاء على الصهيونية. ولا بد والحالة تلك من ايجاد صيغة قومية تجمع بين الاسلام والمسيحية. تلك الصيغة هي القومية اللبنانية.

لبنان: المفهوم والتحديات 

 

 


Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved


Advertise | Terms of use | Credits