Back Home (To the main page)

Middle East fine art store

 

Sections

About us

Contact us

 
 
Home > Panoramic Views

"لبنان في شخصيته وحضوره" - ميشال شيحا

لئن كان علي، وبعد تردد، أن أتوج محاضرتي بكلمة، لآتين اليكم هذين البيتين من "فيدر": "منذ متى يا سيد، صرتم تخشون محضر هذه الأمكنة الوادعة، العزيزة على طفولتكم؟" ولهي على كهولتنا وأعذب!

لبنان معين لا ينضب. ومن خلاله يمكن أن نستشف العالم، مثلما أستشف البحر من وراء نافذتي على المطل. والى ذلك كم أخشى، لفرط التبحر في هذه البلاد والكلام عليها، أن أشيع الملل في السامع والقارىء على السواء. لكن المادة اللبنانية، تحت مظاهرها البسيطة، تترامى على أبعاد التاريخ. فنحن، مذ كنا، شهود على نشأة الشعوب، شهود بالوراثة وبالغريزة. ونحن لفي مطرح من الأرض والزمان يتيح لنا، اذ نتكلم على ذاتنا ، أن نتكلم على كل شيء. قليلة هي الأمم التي تتمتع بهذا الامتياز. فهو من نصيب بعض الشطآن المختارة والأماكن السنية والمشارف الخالدات.

ونحن من أجدر الشعوب في اكتناه التاريخ، وفي تلقين عبره، لآننا عشناه. لكننا في الوقت نفسه، ويا عجباه، نجهل هذا التاريخ أكثر من كثيرين أخر .

في رأيي أن هذا العنوان اللامحدود: "لبنان في شخصيته وحضوره"، يتيح لي التجوال معكم حسبما أروم. فبعد أحاديث جمة، وجمة محاضرات، بت لا أبغي سوى تسليط ضوء أوفى على هذه البلاد، وابراز شخصيتها ووجهها من بعض الجوانب، و توضيح الفذ من قسماتها توضيحا ً أدق، واشراككم في اطلالات جدد على أفقنا ومشاهد جدد. وكمن يضع بيانا ً مجملا ً بموجوداته، كذلك ينبغي تبيان ما نعرفه وما نشعر به عاما ً بعد عام.

ان فينيقيا هي البحر أولا ً. وجبل لبنان ما هو بتحديده سوى الجبل. ومن تداخل البحر والجبل كانت جمهوريتنا. ففي أمس غابر عمد التسلطن العثماني الى اغلاق البحر، لفرط ما كان يخشاه. فكان أن تخطى الجبل البحر، وأضحى ملاذا ً للحريات. بينما راحت السلاسل توصد المرافىء في أيام خلفاء سليمان القانوني.

أن نظهر البحر والجبل متحدين كان ذلك من الأنسب. أفلسنا نرى الجبل اللبناني، في مدى مئتي كيلومتر، يهبط البحر بين حين وحين، وفي البحر يغتسل؟

ثمة دوما ً، في البلد الصغير أو الكبير، جوانب مغمورة بدون سواها، فينبغي استجلاؤها من جديد، بجديد كلمات وصور. ليستطاع دوما ً تسليط أضواء جديدة على الأشياء. حسبنا تلك الموضوعات الكبرى لسادة الرسم والنحت، موضوعات طالما أعيد بدعها وطالما رونقها التجديد.

انما الحضور وقفا ً على ما يميز، وليس على ما يختلط ويضيع. فلبنان واللبنانيون يتميزون منذ البدء عن سائر المعمور تميزا ً يخولنا أن ندعو بحضور لبناني قديم كالعالم.

والخرائط التاريخية، بمختلف مراتب التعليم، تتخذ منطلقها من مصر القديمة، فترينا ساحلا ً متوسطيا ً ذاهبا ً من دلتا النيل حتى لبنان لا أبعد. هناك يبدأ التاريخ بحقيقة معناه، فلا يلبث أن يلقانا في دربه. ثم يمتد المدى تدريجا ً حتى يأتي المؤرخ فيستحوذ عليه، فاذا تاريخ الشرق القديم كله على انبساط.

والى جانب صروف لا تحصى، تداولتنا لا أقول جميع الكرات التي يرويها التاريخ، بل تداولتنا كل المقاحم. فنحن لا نفتأ ابدا ً في قلب المعترك، بهذا الشكل أو بذاك. والصفحة الأولى من "أطلسنا" تلك التي ساقها "فيدال لابلاش" الى التلاميذ والطلاب، والتي يعاد طبعها منذ أعوام، تشير الى طريق الحملات المصرية نحو الفرات، ما بين صور وحرمون، منذ الألف الرابع قبل تاريخنا.

وهكذا ترتسم حيال أنظارنا، منذ الخطى الأولى، تلك الطريق العالمية، القابلة الامتداد، والتي هي ابدا ً في مستوى العالم المعروف. هذه الطريق، في جنوبها، سوف تصبح يوم يتمكن فرديناند دي ليسبس من شقها، طريق السويس البحرية. ولسوف تكون عرضة لطوارق السياسة ومكاره الحروب، بحيث كان لا بد، في سنة 1939، وفي سنة 1914، ولفترة وقت، من الرجوع الى سلوك تلك الطريق الطويلة، عبر رأس "الرجاء الصالح".

لكن الاكتشافات وأوقات السلم سرعان ما تعود بالانسان الى الطريق الأقرب. وما الطريق الأقرب، اليوم، سوى تلك التي تخترم الجو حرة مثل النياسم. هذه الطريق تمر بلبنان، فتصل ما بين نيويورك ولندن وباريس من جهة، والهند والصين وأوستراليا من جهة أخرى. أما في ما عنى البحر، فعلينا دون سوانا يتوقف ألا ندع أي قومية مريضة تسده في وجه ابتداراتنا كما كانت الحال في أيام الباد شاه الحوالك. فان كان من شأن هذا الموضوع أن يروق اللبنانيين، لنرسمن من أجلهم بعد قليل مفهوما ً للقومية المعاصرة.

أفنحن مبالغون في قدرنا لأهمية بلدنا الصغير؟ كلا دون ريب! ولئن نحن توسمنا للبنان نحوا ً خاصا ً، فليس ذلك للنيل من العالم العربي، بل رغبة منا في مزيد تنويره. ولئن عمل العرب على اعاقة حركة المبادلات الدولية بحجة زائفة من حجج الاكتفاء الذاتي، فماذا تكون حالهم في هذا العصر الممكنن السريع؟

وعلى المرء كي يملأ حياته، أن يدرك قبل كل شيء ماهية دعوته، أن ينمي مؤهلاته، وأن ينهج سبيله. مثل هذا العمل، ان هو الا اذعان لمحتمات الطبيعة. كذلك قل عن شواطئنا وما أثر عن اهليها من حب للأسفار وحب للاغتراب، ومن ميل متوارث غريزي نحو التجارة والمبادلات، ذاك الميل الذي يبث في العالم الحضور اللبناني.

ان الشعب اللبناني قلما يماثل جيرانه الأدنين، ان في الشمال وان في الجنوب: فسهله أضيق من سهول جيرانه وجبله أعلى من جبالهم.

وثمة ملاحظة بليغة للمؤرخ الانكليزي المعاصر أرنولد توينبي، في مؤلفه الضخم "دراسة في التاريخ". فلقد أبدى بين الأسباب الأساسية لتطور الشعوب ما أسماه بمهماز الضرورة أو حافز الاكراه (ضغط متصل من الخارج). وهذا في الخلاصة ما عاناه لبنان أبدا ً، وما جعلنا أبدا ً نعيش في خطر، وفي مشقة، ولا سيما أخيرا ً في جوار مقاطعات تركية تأتمر بامرة القسطنطينية. مما يفضي بالتالي الى نتيجة ظاهرة للعيان، وهي أن قرانا المختلطة، تلك التي تضم مثلا ً دروزا ً ومسيحيين، متآخين والحمد لله، لتبدو غالبا ً أصلب من قرانا التي لا تشتمل الا على دروز لوحدهم أو مسيحيين. ان الحياة الخشنة تطبع الشعب بطابع حاسم. فهي تنشئه على المناقبية وتحنكه. وهي تشدد العزائم وتجد في جعل الانسان انسانا ً وتجيد.

وللبنانيين كافة وطن واحد هو البحر والجبل معا ً. فهم حفداء أولئك الجبليين البحارة الذين يختلفون عن جيرانهم بأكثر من وجه. وددنا لو كان الأمر خلافا ً لذلك. لكنه ليس بالأمر المستطاع. وهذا ما يدحض أوهام الذين يتصورون أن الشرق الادنى، الأسيوي منه والأفريقي، هو من نسيج واحد. فبين عربي البحر وعربي القارة، هناك البحر والجغرافيا، شئنا ذلك أو أبيناه، وهذا ما لا ينفي أي مودة طبيعية متبادلة، كما أن هناك ما يدفع بالواحد مزهوا ً الى أقاصي الأرض، يلتزم الآخر حياة الرعي والألبان. وهل يمكننا القول أن عربي العاهل السعودي، وعربي اللواء نجيب، وعربي الزعيم الشيشكلي كلهم ذات سواسية؟ كلا، بكل تأكيد. فلكل وجهه وخلقياته، ولكل تقاليده وأمجاده. ان دمشق وبغداد والقاهرة تتضام ولا تتدامج. فأي عاصمة من الثلاث بلغت من النضج حدا ً يخولها التسلط على الاثنتين الأخريين؟

أما لبنان فهو جمهورية بحرية متوسطية، قبل كل شيء، تتناهى على سحابة مئتي كيلومتر شطا وخمسين لا أكثر في البر الداخلي. هذه كانت أبعاد فينيقيا بمختلف أسمائها منذ خمسة أو ستة آلاف عام. فلا البندقية ولا جنوى، في القارة الأوروبية المواجهة، تعدتا في أوج عزمهما هذه المقاييس.

لبنان هو أمة بحرية في جوهره. وهو لكذلك أصلا ً وبحكم الضرورة. وما الجبل عندنا سوى الحصن الذي ينيف على البحر ويحميه. فما أشبه لبنان، كل لبنان، بقصر البحر في صيدون يومذاك. لقد عاش أسلافنا في جزر صغار، حيث ذادوا عن أنفسهم ذود المستميت. فصور وصيدا كانتا تمتان الى الجزر بنسب وثيق. ونحن لا نخوض الآن بحثا ً في السياسة، بل في التاريخ. لكن ما لا يسعنا اغفاله أو انكاره حرصا ً على التاريخ، أن فينيقيا امتدت من "الكرمل الى أرادوس"، أي أرواد بالذات. فهلا كان لسوريا أن تتقبل ذلك بصدر رحب، وأن تتفهمنا، حبا ً لطرطوس واللاذقية ليس غير. وأسارع الى القول، تفاديا ً لكل لبس، انه ليسعد اللبنانيين أن يروا سوريا بحسب مرتجاهم، جارة ً على مزيد ازدهار. وما يتمنونه لها وما يبغون أن تلبث سوريا امينة على مصيرها ذاته، وهي التي يتنازعها شرق وغرب.
 
ان ما يفصل العاصمة السورية عن البحر المتوسط، وما يفصل عنه مدن سوريا الرئيسة والشعب السوري قاطبة نكاد نقول، لعلى الأكثر مئة أو مئة وخمسون كيلومترا ً. فكيف يقابل هذا بالجهل، ولماذا سوريا تتجاهله؟

هيهات الاضطلاع بسياسة لبنانية، أو باقتصاد سياسي لبناني، اذا نحن انتقصنا دور البحر ودور القارات في وجودنا القومي. فالأنظار التي لا ترى سوى السلسلة الشرقية والأفق الشرقي لهي مصابة بكلل مزدوج. وما أشبه لبنان الشرقي بستار من الاشجار يواري الغابة (لكنه لسوء الحظ ستار أجرد). مهمتنا المقبلة، ومهمة سوريا، أن نبعث في تلك السفوح والمنحدرات اعمارا ً من الخضرة والناس، يمهرنا بحدود غير حدود الصحراء والريح.

سبق لنا أن نوهنا بالقومية التي هي مظهر جماعي من مظاهر حب الذات. فهذه القومية التي اتسمت، في القرن الأخير خصوصا ً، بطابع السعة والثورية، أحر بنا اليوم أن نتوخى عمقها، فقد اتخذت لها نحوا ً آخر ووجها ً آخر. ان الحضور اللبناني، ذاك الحضور الذي لا يطاله حصر، بل ان حضور لبنان في آن معا ً، هنا وهناك وهنالك، بفضل الهجرة عبر الزمان والمكان، انما يسوقنا الى تقييم القومية تقييما ً صحيحا ً، في هذا القرن العشرين، حيث مفهوما الانسانية ووحدة العالم قد تولاهما تطور ملحوظ. فعلينا أن نقيم الفارق بين قومية منهجية عنيدة وشعور لا أنبل منه ولا أولى، هو الشعور القومي وحب البلاد.

ومتى كان الوطن شاسع الجنبات انكفأ المرء الى حب الاقليم، وعادت عرضا ً مع حب الاقليم الاقليمية واللامركزية.

ويوم يغدو العالم واحدا ً احد، على فرض أنه سيغدو يوما ً، أو يوم يعود لا تتنازعه سوى قوتين جماعيتين أو ثلاث (اما نسمع دوما ً بالقوة الثالثة؟) اذاك تتبدى الأوطان الصغرى من جديد في هوى مدينة، أو قرية، أو اقليم وضيع. اما نحن البنانيين فنحن على هذا الشعور مقيمون مذكنا. وما القومية، بحسب تاريخ القرن التاسع عشر (ومبدأ القوميات الشهير) سوى نزوة من كبرياء قبل كل شيء. بينما نحن نقول، قبل كل شيء، بما هو حب.

"أواه، متى أعود فارى،
قريتي، والموقد، وسحب الدخان،
وفي أي فصل ارى حاكورة بيتي الوادع،
بيتي الذي يتبدى لي بلادا ً، ويا حسنها من بلاد"

أليس هذا الذي كتبه "دي بللي" من روما، في القرن السادس عشر، اليس هو نشيد المنفي والمهاجر، ونشيد اللبناني الضارب في أقاصي قارة أميركا.

ونسائل النفس: يوم يداني العالم وحدته، ترى أي وطن أرضي نورثه بالحب؟ أهو "أرض البشر" لأنطوان دي سان اكزيبوري، تلك الأرض الهائمة بين النجوم؟ أم يجمل الاقتصار على مطارح للحب أقل تباديد؟

ان للبنان، ما للاقليم من مدى. حتى ان اللبناني في ميسوره ان يعرف بلاده ضيعة ضيعة، قمة قمة، وواديا ً تلو واد. وفي ميسوره أن يحسبها كلها وكأنها بيته وحقله ومطارح حبه.

الحضور اللبناني انما نكتشفه أولا ً في القلب

فالغريب الذي عاش في هذه البلاد تراه بدافع من حبه لها يود لو يزورها من جديد. قليلة هي الشطآن، قليلة هي الوجوه التي تستثير حبا ً كهذا الحب. فكأن للمسافر دليل في السماء. وبينا نحن نتبرم بما نتخبط فيه سياسيا ً من فوضى، نرى الغريب يغبطنا على ما أوتينا من مزيد الحلاوة والا والائتلاق. لا شك ان هناك بلدانا ً تنعم بما ينعم به لبنان من فتون. لكن محاسنها ليست كمحاسنه. وفي شهادة الزائر العابر، مهما كان نصيبها من الفطرة، شيء من القول الفصل. فهي تنم على سعادة الكيان. وثمة عندنا للعيش رغادة لا تبرح الخاطر مع البعد، بل تعطر الذكرى وتتعهدها.

وثمة شيء من نشوة الحس في ما يبثه المشهد اللبناني من تسام روحي. وبينما الفنون والعلوم، عند الآخرين، هي التي تحرز الاعجاب، فان ما يحرزه ههنا طبيعة صوفية متقشفة، ونبت بري، أو عري للتربة مثير، يحمل في ذاته شيئا ً من أنسنة. أما صخورنا الناصعة الصلدة فهي نفسها كالجسد الخفاق. "الصيف، يا صخرة ً من نسيم نقي"، قال فاليري. ففي أي بلاد يصح هذا القول اكثر مما يصح في بلادنا؟
وللبنان حضور عاطفي يمكننا الكلام عنه، تماما ً كما كان موريس بارس يتكلم على مشهد "اللورين"، ولكن برؤى أرحب وأفق يختلف مداه. هذا الحضور العاطفي هو من صميم موضوعي، العشية، واليه سنعود قبلما نفترق. بيد ان لهذا الحضور وجوها ً أخرى تدعوني وتلح علي. أبدون اتضاع اقول، مع مؤلف الامثال، ان مسرحنا هو الكون بأسره؟ يجوز. لكن مرادي بذلك أن أنوه بأن لبنان، وحده في العالم، تشده الى جميع انحاء اليابسة والبحار هكذا أواصر شخصية، بل حياتية قل، فتراه بهذا النحو أو بذاك حاضرا ً تحت كل سماء. وهذا الحضور العالمي، هذا الحضور الذي منه يحيا، اذا شئت، لهو بالنسبة اليه ظاهرة متأصلة أو مسألة طبيعية. أما بالنسبة الى العالم العربي، وكثيرا ً ما أسهم لبنان منذ قرن في انتزاعه من وحدته، فهو منة السماء. فلولا لبنان لقل تمثيل الدولة العربية في العالم خلا تمثيلها الدبلوماسي.

هنا تحضرني بعض عبارات لأرنولد توينبي، فهي جد غالية، في ما تشهده على لبنان، على شخصيته ومواهبه. وهي تستخلص افضل استخلاص صلة الحاضر بالماضي، وتبين في لبناني اليوم حفيد الفينيقيين ووريثهم المباشر. ينم على ذلك، كالهوية، خلقه ومؤهلاته ونهجه وأعماله:

"قيض لجبليي لبنان، في العصور الحديثة، أن يجاروا المآثر التاريخية التي أثرت عن أهل صور وأرواد. فسعوا للرزق في ديار الغربة، ووجدوا سبل عيشهم في البيع والشرى، بعيدا ً وتحت كل سماء".

الاقتصاد اللبناني كله يكمن، هنا، في أسطر المؤرخ الانكليزي الكبير

"يبدو، في ضوء السوابق المحلية، ان الذي افضى باللبنانيين الى مجاراة اسلافهم الفينيقيين انما هو القحط الذي مني به جبلهم. بينما نرى ان طبيعة جبال العلويين، في الشمال، قد عودت النصيريين عيشا ً متراخيا ً عيش الفلسطينيين في الجنوب". وهذا ما يعود الى حافز الاكراه.

ولنسمع توينبي مقارنا ً بين الفلسطينيين والفينيقيين: "فيما كان الفلسطينيون يرعون ويرتمون ارتمام الخراف في ساحل فلسطين ويتوغلون حذرين نحو الداخل، بحثا ً عن كلا جديد، كان الفينيقيون يتخطون أفقهم البحري، المقتصر حتى ذاك على حدود التجارة الساحلية بين بيبلوس ودلتا النيل، فيمخرون عباب اليم وينشئون للحضارة السريانية (والسريانية تطلق مبدئيا ً، كما تعرفون، على اللغة الارامية) وطنا ً ثانيا ً في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وما وراءه من شطوط المحيط".

المصير اللبناني كله: سياستنا، صناعتنا، تجارتنا، سياستنا النقدية المالية، كلها تكمن في مقارنة توينبي هذه.

ومن هذه المقارنة أراني أمتشق محورا لموضوعي. لأن الحضور اللبناني الحق هو هنا. فابن هذه البلاد، ان يهجرها دونما تردد، فلفرط ما تشغفه التجارة والأسفار. لكنه اذ يهون عليه هجرها، كما لا يهون الهجر على احد سواه، لا يفتأ في الحل والترحال يتأوه ويحن الى قريته والى أرض له جحداء. هذه حاله منذ أربعة أو خمسة الاف عام، أي منذ اتجه هذا الساحل بنشاطه الى البحر وما وراه من بلدان، ومنذ أمسى تكاثف السكان في هذه البلاد منوطا بخصب البحار.

فمن الحضور اللبناني في الغربة (ومن حضور الغريب في لبنان بلا شك) يستمد هذا البلد الخالي من المناجم والموارد الأولية وسائل عيش رحبة، ويستمدها كذلك من سعي في البعيد لا يكل، ومن ذكاء مرن وحدة فؤاد، ومن أهلية للسفر وخفة في الانتقال. الى الصين يمضي بدون تردد، اذا ما دعاه اليها داعي العمل. هنا لن يفوتني ان استقي حجتي من "دائرة المعارف البريطانية". فالاستشهادات الانكليزية المصدر تبدو وكأنها القول الفصل. فضلا عن أنها توضح لماذا وكم يخلق بالانكليز ان يفهمونا اكثر من سائر الغريبين: اليس ما يفعلونه هم، على نطاق أوسع بكثير، وبالرغم مما قاسوا ويقاسون من دهرهم، أليس يشابه ما نفعله نحن من زمان بعيد؟

"كان الفينيقيون بوجه أخص أمة من أهل اليم، وكانوا يتحلون بالشجاعة والصبر. ولقد تجشموا الأخطار في مناطق لم يجرؤ سواهم على ارتيادها. وكتموا، لفرط حرصهم على امتيازهم، اسرار دروبهم التجارية واكتشافهم لمجاري التيارات والريح".

وتقول الموسوعة البريطانية في موضوع آخر: "التجار الفينيقيون وحدهم وحدهم استطاعوا ان يحافظوا على تجارة رابحة، في أزمة الفوضى، أيام السلالتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين (825-650 ق. م.) بينما استبد الخوف بالتجار الأخر فولوا متوارين".
فلكي نأبى على لبنانيي عصرنا ميلا الى الترحال لا مثيل له، ينبغي محو الماضي برمته، بل ينبغي ان نتخيل سواحلنا التي نشأت ذلك العنصر الجوال قد فقدت مزاياها ورياحها الدروج. وانه لمن الحمق ان ندعي حصر هذا البلد وهذا الشعب بين جدر الاقتصاد العصري، تلك الجدران المتداعية على كل حال. ان اكثر اللبنانيين موهبة واشدهم مراسا يكسبون عيشهم بعيدا عن ارضهم، أو بفضل خدمات تكاد تكون غريبة عن ايراد ارضهم. فهؤلاء حضورهم عالمي (مثلما هي خدماتهم) والحكمة تقضي باحترام نمط عيشهم والعمل على تيسير سلبه، فهو النمط الذي عاد عليهم بالمكانة والنفوذ في التجارة عبر القارات.

نمط العيش هذا الذي يبرر حب المجازفة ويشهد بأن الشجاعة تكافىء، فات الأوان على اعتباره حافلا بالاخطار. فالذين لم يدركوا بعد ان لبنان اذا هو قصر عيشه على الزيتون والجبن، وعلى الزبن الذين يؤمونه من دني جواره، ليموتن سياسيا ً واجتماعيا ً، هؤلاء لم يفقهوا شيئا من لبنان. انهم يهيمون في نظريات ما ابعدها عن نفسية هذا الشعب وتقاليده، أو لعلهم سجناء فكرة سياسية ان هي سيقت الى قصدها شكلت خطرا حتى على ذاتية لبنان.

ثم ان علم الاقتصاد السياسي ما زال على اشياء النسبية واللبس. ولا يغيبن عن بال اللبنانيين أن الاقتصاد السياسي، بالنسبة الينا، لأشبه بألسنة "ايزوب". فهو يشتمل على الأفضل والأسوأ. وبه يمكن ان نحيا أو نموت وكل شيء رهن بكيفية استخدامنا لمفترضاته وتجاربه ومحتملاته. فاذا اعتبرنا شعبا فذا، شعبا يخرج حقا عن نطاق التصنيف، استطعنا ان نتوخى بالتجلة نصائحه ومقترحاته. اما اذا ادعى توجيهنا على حساب تهديمات خرقاء، مثلما تقام واجهات الشارع، لنناهضنه اذاك. فثمة مبدأ أبدي ينير المطارحة: "في الحرف موت وفي الروح حياة".

لا مفر للتشريع اللبناني، والسياسة اللبنانية، عن ان يأخذا بالاعتبار عاملا اساسيا ومتأصلا هو النشاط اللبناني في الخارج ومع الخارج. هذا هو سر ازدهارنا عبر عشرات القرون. فاذا نحن اسأنا فهم الغير وانصافهم، فلا بد من يأتي يوم تساء فيه معاملتنا. واذا نحن أقدمنا، باسم هذا المذهب الاقتصادي أو ذاك، باسم هذه العقائدية أو تلك، على تشويش الموارد المتعددة الوجوه، الموارد اللا معدودة التي يستمدها لبنان من الجهات الاربع، ومن مختلف الاصقاع، لأفضى مصير هذه الموارد الى النضوب. ان الحضور اللبناني في الخارج يحتم على اللبنانيين المقيمين، كما على الذين يطلبون الرزق وراء البحر، معرفة اللغات والعادات ووسائل النقل وشبكات الترانزيت ونوعية الموانىء وتجهيزات الاسواق ونفقات التحميل والتفريغ، وكلفة السفرة على مدارها لكل يمخر البحار أو الاجواء من بضائع أو تجار على السواء. وهذا ما يفترض الكثير من الاسفار، وما يحتم منها عددا جما، الى ما لا نهاية.

أما القاعدة التي ينبغي استخلاصها، فهي أن علينا أن نستقبل الغريب بمثل ما يستقبلنا به، أو بمثل ما نود أن يستقبلنا به من رحابة وأخوة: "قريبك مثل نفسك". ان كراهية الأجنبي في لبنان، تسوق لبنان الى الموت البطيء. انها نوع من الانتحار.

أختم هذه المحاضرة قائلا ً أنه لعل ما يكون الحضور اللبناني، بالنسبة للبنانيين، هو غيابات لا عد لها. وهذا لعمري من خصائص الشعوب التي آلفت سبل البحر (والجو حاليا). أما القراءات التي أفادتني في طوافي معكم فقد أوتيتها في أغلبها عرضا ً. وكنت قد لقيت فيها، هنا وهناك، شيئا ً يجمل حفظه وايقافكم عليه. ويقيني انها لم تكن قراءات لغوى، بل تختنق بخفقة الماضي وبشيء ما أشبه بالشعر. وهل من تاريخ حي بلا شعر؟ واذا لم يكن من شأن التاريخ تظهير شخصية الشعوب والرجالات، فهو تاريخ لا طائل تحته، لذا كان حسبي وحسبكم شخصية لبنان.

شخصية مثيرة بين الشخصيات، لانها عبر عثرات التجارة وطوارىء المبادلات، وعبر الصراع المادي، في سبيل العيش، اتسمت ابدا ً بميسم الصراع في سبيل الروح. ولئن ترى اللبناني اليوم يدأب في كسب عيشه حيث يستطيع، فانما فعل ذلك في الاصل ذودا ً عن ايمان. ولم تكن جباله يوما ً الا ملاذا ً للروح. والاقليات الطائفية التي تنزله اليوم أناطت، منذ نزلته، شؤون الزمنيات بالروحانيات. هذه كانت حالها كلها دون استثناء.

هذه الأقليات أنست في أعالي لبنان ملجأ لها من الجور ومعقلا للحريات. لكن الرغيف أعوزها، فانطلقت مع الرياح الاربع بحثا ً عن الرغيف.

سر لبنان يكمن في ان الجبل قصده تدريجيا ً اناس جزعون، مطاردون، عافوا وراءهم كل ما يملكون، رجاة أن ينجوا بالجسد والنفس. فما استقر بهم المقام حتى راحوا في اطلاب الرزق خلف البحار، مواصلين ذلك التقليد العريق.

كنت أحدثكم عن حضور للبنان شعوري. فها هوذا الحضور أشد ثباتا ً من حجج السياسة والاقتصاد جمعاء. وفيما نرى اللبنانيين يجوبون العالم، ويتزوجون في الغربة ويزوجون ابناءهم، نرى بلادنا الصغيرة تتميز ابدا ً عما يحيط بها. انها تتحدى الزمن وتتمثل كل شيء.

وتتولى الاجيال وبلادنا لا تلبث دعوة حية الى هناءة العيش، شرط الا يأتي العقائديون ودعاة الاصلاح فيفسدوا اخيرا هذه الهناءة.

ومن جملة ما وقعت عليه في قراءاتي أسطر بضعة قلما ً ينتظر ان تحمل على محمل المستند اللبناني، لكنها مؤثرة في بساطتها الى حد اني شئت ايقافكم عليه ختاما للحديث. انها بكلمتين تدحض قول القائلين باقتصاد لبناني مغلق، كما تدحض قول القائلين بسياسة لا مطلات لها على اليم. انه كتاب ل جان لويس فودوايه، عنوانه: "جمالات البروفانس". وسواء أينطق فيه صاحبه بالشعر ام بالنثر، فانما هو ينطق بوقع الشعر العميق ونبرته. فلنسمعه يتحدث عن نشاط الفينيقين، في فصل عنوانه " ثلاثة أيام في آرل":

"خاضوا جميع البحار المعروفة والمجهولة. وأقاموا خوارق الاسواق في المواضع المناسبة. وأقبلوا وأدبروا وما ونوا يقلبون ويدبرون. ليسوا مستعمرين، بل هم تجار يطوفون البحار عملاء ومستوردين، مثلما يطوف الباعة الجوالة في أريافنا. ولئن ظل السلتيون وحدهم سادة آرل، فان الفينيقيين قد جعلوا منها مركزا ً لاعمالهم. كانوا مسالمين، ليني العريكة، مكتتمين...".

"... في اقاصي المعمور كانت لصور موارد رزقها". جملة صغيرة كبيرة، يحسن بنا أن نقف معا ً عندها. فهي تحدد لبنان تحديدا ً رائعا ً. ان الشاعر قد رأى في ومضة عين أكثر مما رآه العلامة الاقتصادي. وأشار بكلمة الى مواقع للذهب قصية، خافية. وبين الوضع اللبناني، ولم يحفل بانتقاء الصادرات. فتحقق ان بائع الفكر انما هو بائع كسواه، بل انه بائع اكثر استئهالا ً من سواه.

أما نحن فنقول بدورنا، ولكن دون ان تبرحنا ارادة العمل على استخصاب ارضنا الصلدة حتى نصيرها أحلى جنة على الأرض، فنقول بدورنا: " في اقاصي المعمور ما زالت للبنان موارد رزقه".

لبنان: المفهوم والتحديات 

 

 


Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved


Advertise | Terms of use | Credits