Back Home (To the main page)

Middle East fine art store

 

Sections

About us

Contact us

 
 
Home > Panoramic Views

ظاهرة الأقليات في الشرق لشارل مالك

1- ظاهرة الأقليات في الشرق الأوسط في حد ذاتها


ظاهرة الأقليات أمر دهري في الشرق الأوسط. لم تنشأ أكثرية اطلاقا ً، من أي نوع كان، استطاعت أن تصهر، أو تمتص، أو تذوب، أو تزيل الأقليات المتواجدة في هذه المنطقة. بقيت هذه الأقليات تعاند بشكل غريب كل محاولة لتذويبها أو محوها من الوجود. أما السبب فقد يكون الصحراء التي تفصل وتشتت ولا تجمع وتلملم. وقد يكون مركز الشرق الأوسط في وسط العالم كله بحيث جميع الاثنيات، والأجناس، والألسنة، والأمم، والعقائد، والنظرات، وجدت فيه عبر التاريخ، وتنصب عليه اليوم من الشرق والغرب والشمال والجنوب.

مصر تحتوي على أقليات دينية وعرقية. في الصحراء العربية توجد أقليات قبلية، وقبل الاسلام وجدت أقليات دينية، وحتى بعد الاسلام بقيت أقليات مذهبية في جسم الاسلام ذاته. في تركيا اليوم توجد أقليات دينية، وثقافية، واثنية. والشيء ذاته يقال عن العراق وايران. أما في بلدان المشرق الواقعة غربي الصحراء السورية، فتوجد أقليات سياسية، ودينية، وتراثية، وثقافية، واثنية. وظاهرة الأقليات هذه نجدها أيضا ً في بلدان البلقان وشرق أوروبا، مع الفرق الحاسم أن المركزية الوسطية في الشرق الأوسط عالمية، بينما في تلك البلدان أوروبية فقط.

لم يتمكن في التاريخ كله غاز أو فاتح من خارج المنطقة، ولا حكم، أو حركة من داخلها، أن يتغلب على ظاهرة الأقليات لا في في المنطقة ككل ولا في داخل أي بلد من بلدانها. بقيت هذه الأقليات صامدة، معاندة، متشبثة، محافظة على قيمها وتراثها، في وجه كل فاتح وكل حاكم وكل عهد. غلبت على أمرها، كبتت، قهرت، لكنها رفضت أن تنقرض. والشرق الأوسط اليوم مجموعة رواسب تاريخية لكيانات فعلت في وقتها، وخفت فعلها مع الزمن، لكنها لم تفن.

الأمبراطوريات الفارسية، والبابلية، والأشورية، والحثية، والفينيقية، وغيرها في مطلع التاريخ، ثم الرومان والبيزنطيون، والعرب المسلمون، والأتراك المسلمون، وأخيرا ً النفوذ الفرنسي والانكليزي بعد الحرب العالمية الأولى، كل هذه القوى جابهت ظاهرة الأقليات في الشرق الأوسط فاما تركتها وشأنها بدون أن تصارعها، أو، حين صارعتها، لم تتمكن من حذفها من الوجود.
نجد أنفسنا، اذا ً، أمام شيء باق لا يزول. عبث اخفاؤه أو تغطيته. عبث اشاحة النظر عنه. عبث تصورنا أنه غير موجود. عبث قولنا المتمني: ليته لم يوجد! أو تخيلنا أنه لم يوجد. عبث محاولة القضاء عليه، وشهادة التاريخ كله تبرهن عن عبث هذه المحاولة. الحكمة، اذا ً، تقضي بالتكيف معه لا بتكييفه هو مع ارادتنا أو هوانا أو تمنياتنا. مهما عاندناه بالظن، أو بالهرب، أو بالتصور، أو بالتصميم، أو بالفعل فسيعاندنا هو أشد وأكثر.

لكل أقلية، أيا ً كان صنفها، شأن وأهمية. فالأقليات الدينية لها شأنها الخاص وأهميتها الفذة، تتميز بها، نوعا ً وكيفا ً وقطعا ً، عن أي شأن، وأي أهمية، لأي أقلية أخرى.

لماذا؟ لأن الله ذاته، في أمرها، هو المسألة. الله ليس المسألة في أمر الأقليات السياسية أو الثقافية أو الاثنية. مرتبة هذا الصنف من الاقليات تختلف اختلافا ً عن مرتبة الأقليات الدينية.

الملحد أو المشكك بالطبع يبوب الأقليات الدينية في باب الأقليات الثقافية، لكنه مهما كابر في أمر الحاده أو تشكيكه، فالتساؤل المتحير، المتعجب، المقلق، لا بد أن يبقى بطبيعة الحال واردا ً في زاوية من زوايا ذهنه: ما رأيك، يا صاح، اذا كان الله بالفعل موجودا ً؟ مجرد امكان ورود هذا التساؤل يدخل الشك في الحاد الملحد، وتشكيك المشكك، ويجعل من الأقليات الدينية صنفا ً يختلف أصلا ً ونوعا ً وكيانا ً عن جميع أصناف الأقليات الأخرى.

الشرق الأوسط لا ينفرد، ولا يتميز، بالعلم، أو الفن، أو الفلسفة، أو الصناعة، أو الأدب، أو بالنظم السياسية، أو بالاختراعات، والاكتشافات. ولذلك لا يتجه اليه العالم بشأن أي من هذه الصناعات. صناعة (اذا جاز استعمال هذه الكلمة هنا) الشرق الأوسط الأولى، ان لم تكن الوحيدة، هي الدين. يتجه اليه العالم اليوم بتروليا ً واستراتيجيا ً، بالطبع، لكن الفضل في أمر موقعه الاستراتيجي الفريد وأمر ثروته البترولية الهائلة، لا يعود الى أهله، بل الى الطبيعة وخالقها. ثم ان بتروله، على خطورته القصوى اليوم، شأن عابر. وحتى ان كان أمرا ً غير عابر، فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا ً في أن الشرق الأوسط انسانيا ً، وكيانيا ً، وتاريخيا ً، وحضاريا ً ، هو مهد الديانات العالمية. وبالتالي تمييزاته الأساسية كلها تمييزات دينية. ما هي ألذع شتائمه، على الأقل في لبنان، بعد الشتائم الجنسية المعروفة؟ هي ، بالطبع، شتائم الدين - "مسبة الدين" ! كأن الدين أتخمنا! كأن الدين كابوس علينا! كأن الدين"طلع ديننا"! كأننا سئمنا منه لدرجة الثورة عليه، لدرجة طلب التحرر منه! ثم ليس صدفة شيوع الشتائم الجنسية والدينية في آن. الجنس يرتبط بالله وبالدين ارتباطا ً كيانيا ً ميتافيزيقيا ً وثيقا ً، ليس هنا مجال الخوض فيه. يكشف عنه الكتاب المقدس، وتأمل الآباء، واللاهوت الأصيل، وتعليم الكنيسة، كشفا ً تاما ً. ولم يخترع "فرويد" البارود حين شدد على الجنس، لكن الحاديته الطبيعية الحلولية الواحدية، وتمرده المتأصل على قيم التراث الروحية، حجبا عن عقله، ان لم أقل عن عالم "أحلامه"، علاقة الجنس الأصلية بالله، ولذا عهر الجنس طبيعيا ً الحاديا ً واحديا ً، وتعهر معه كل من ذهب مذهبه، وغاص في "أحلامه".

نخلص من هذا كله الى القول أن مشكلة الشرق الأوسط الأولى والأخيرة، ليست مشكلة التخلف، ولا مشكلة الانماء الاقتصادي والمجتمعي، ولا مشكلة ما يسمى بالعدالة المجتمعية، ولا مشكلة التوحيد السياسي، ولا مشكلة علاقة بلدانه بالقوى العالمية المتطاحنة بعضها مع بعض بالنسبة اليه – على أهمية هذه المشاكل كلها وعلى الحاحية مجابهتها وحلها، بل مشكلة الأقليات فيه، أعني كيف نكيف أنفسنا على أبدية هذه الظاهرة، كيف تتغلب الأكثرية، أي أكثرية، على الدخول في تجربة قهر الأقليات ووضعها في منزلة ثانوية محتقرة، كيف تقتنع الأكثرية أخيرا ً، أي أكثرية، بعد خبرة ستة آلاف سنة، ببطلان هذه التجربة وعدم جدواها، كيف تنصف الأقليات وتحترم وتعطى، حقا ً، الشعور بأنها حرة محترمة.

هذه هي معضلة الشرق الأوسط الأولى والأخيرة والأساسية، وكل معضلة أخرى على أهميتها، تذبل أمامها. واذا كان هذا القول يطلق على العموم على أي أكثرية بالنسبة لأي أقلية، فهو يطلق على وجه التخصيص على الأكثريات والأقليات الدينية، وذلك لثلاثة أسباب بالنسبة للشرق الأوسط: كون الأديان السائدة في هذه المنطقة وفي كثير من بقاع العالم اليوم تبعث كلها فيه، وأشد التمييزات الفاعلة في الشرق الأوسط هي التمييزات الدينية، كون العالم اليوم يشدد أكثر من أي يوم مضى على حقوق الأقليات، أي أقليات، وحمايتها، بما في ذلك، وعلى الأخص، الأقليات الدينية، نظرا ً لأن الشأن فيها يعود الى حرية الفكر والضمير، وهي أقدس الحريات، وكون الأمر في الأقليات الدينية هو أن الله فيها هو المسألة.

2- الطرق الخمس المقترحة للتغلب على هذه الظاهرة


الطرق الأساسية المقترحة لحل قضية الأقليات خمس: القومية، العلمنة، الشيوعية، الماركسية، ابتلاع الأديان كلها في دين واحد وصهرها فيه.

أ- القومية: يقولون: حرك المشاعر القومية ونظمها وعممها، تنس الأقليات، خصوصا ً الأقليات الدينية، فروقاتها بعضها مع بعض. يقولون: في بوتقة القومية اللبنانية، أو في بوتقة القومية السورية، أو في بوتقة القومية العربية، أو، مثلا ً، في بوتقة القومية الألمانية، تنصهر الأقليات وتصبح جسما ً متراصا ً واحدا ً.

على هذا القول أرد:

أولا ً: ان هذا الشيء مستحيل، على الأقل بالنسبة للبنان، لأن الأقليات الدينية في لبنان (ولبنان ليس سوى مجموعة أقليات، وهي جميعا ً في تمييزاتها الأساسية دينية) يعود أمرها الى الله، والله لا يصهر في بوتقة أي شيء بشري كالقومية.

ثانيا :ً ان فكرة القومية ذاتها شيء مستورد من الخارج، وعلى الأخص من الفكر الألماني والفرنسي والايطالي في القرنين التاسع عشر والعشرين. أما الولاءات النابعة من تربة الشرق الأوسط، فالقومية غريبة عنها تماما ً. انها كلها ولاءات دينية. ولو دققنا في كيف طفرت القوميات في الثلاثينات في لبنان، والشرق الأوسط، لوجدنا أنها كلها استقت وحيها وفكرها اما من الفاشية أو من النازية.

ثالثا ً ليس صدفة أن منشئي فكرة القومية السورية، وفكرة القومية العربية، هم في أغلبيتهم الساحقة مسيحيون. ولهذه الظاهرة دلالة ومغزى وأضحان.

رابعا ً: ليس صدفة كذلك أن شيئا ً اسمه القومية اللبنانية، بالمعنى التقني لهذه العبارة لم ينشأ بعد.

خامسا ً: لا أعرف قومية واحدة ، لا في أوروبا ولا في الشرق الأوسط، نجحت في تذويب ظاهرة الأقليات الدينية أو الاثنية، أو في رفع خطر طغيان الأكثرية عليها.

سادسا ً: حتى على افتراض نجاح القومية في صهر الأقليات، بمعنى ما، في بلد كلبنان أو سوريا، فماذا تصنع بعلاقة الأديان المتعددة باخوانهم في الدين خارج لبنان وخارج سوريا؟ هل تمنعهم عن الاتصال بهم؟ هل بامكانك، بمجرد الولاء القومي، منع المسلم من التأثر بالأفكار والحركات الاسلامية في مصر، وايران، وتركيا ، والباكستان، أو منع المسيحي من تجديد مسيحيته بالأفكار والحركات المسيحية في الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، أو في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة، أو في أوروبا وأميركا؟

لهذه الأسباب الستة أستنتج أنه من العبث حل قضية الأقليات المتأصلة في لبنان والشرق الأوسط، وعلى الأخص الأقليات الدينية منها، باصطناع قومية، أيا ً كان صنفها أو اسمها.

ب- العلمنة: يقولون: علمن لبنان، بالقانون والتربية والتفاعل المجتمعي الحر، تنته مشكلة الأقليات فيه، أو بالأحرى، تنته مشكلته هو، لأنه كله أقليات.

على هذا القول أرد:

أولا :ً مع احترامي للقائلين بالعلمنة وبنياتهم الطيبة، أجد غموضا ً، ان لم أقل تبييتا ً وباطنية، في شرحهم لما يقصدون بهذه الكلمة.

ثانيا :ً ليس صدفة أن العلمنة بمعناها الصحيح لا يقول بها في لبنان الا المسيحيون، وليست مطبقة في العالم الا في بلدان تربتها وتراثها مسيحيان.

لهذه الأسباب، ولغيرها، أستنتج هنا أيضا ً أنه من العبث حل قضية الأقليات في لبنان، وفي الشرق الأوسط، بمجرد العلمنة. هذا اذا كانت العلمنة شيئا ً واضحا ً، أو حتى شيئا ً ممكنا ً.

ج- الشيوعية: يقولون: تشيع والتحق بالشيوعية الدولية، تتخلص من مشكلة الأقليات، كما تخلص منها الاتحاد السوفياتي.

على هذا القول أرد:

أولا ً: هل بالفعل تخلص الاتحاد السوفياتي من ظاهرة الأقليات في بلاده، أم هل نجاحه اقتصر فقط على مجرد كبتها وقمعها؟ هل الكبت والقمع بالاكراه والارهاب يدعى، حقا ً، نجاحا ً؟

ثانيا ً: ألا نسمع كل يوم عن المدافعين عن حقوق الانسان في العالم السوفياتي، كيف يضطهدون ويزجون في السجون، أو في مصحات "الاصلاح النفسي" ؟ ألا نسمع كل يوم عن الرافضين والمخالفين والمحتجين: عن زخاروفف، وزولجهنتسين، وبوكوفسكي، وغنينزبورغ، وغيرهم؟

ثالثا ً: هل نجح الاتحاد الوفياتي بالفعل، بعد عقود من الاضطهاد للدين، بمحو هذه الظاهرة في دنياه وفي شرق أوروبا؟ هل نسي الخمسون مليون مسلم في الاتحاد السوفياتي اسلامهم؟ أو أهملوه؟ هل انطفأ جذوة الايمان الأرثوذكسي في النفس الروسية؟ ألا نسمع بالكنائس تكتظ بعشرات الألوف من المؤمنين الروس، واقفين خاشعين متعبدين، أحيانا ً أربع أو خمس ساعات متتالية، خصوصا ً في أسبوع الآلام؟ من قرأ الأدب الروسي المسيحي المعاصر، أدب "باسترناك" و"زولجهنتسين"، وغيرهما، من المحتجين الرافضين، ولم ير فيه عمقا روحيا مسيحيا أشد مما يجد في الأدب الالماني أو الفرنسي أو الانكليزي أو الأميريكي المعاصر؟ ان زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لبلونيا وغيرها، تدحض بشكل موضوعي رائع كل ادعاء بأن الالحاد الشيوعي يزيل الولاء الديني. لا يوجد، ولم يوجد، زعيم شيوعي واحد استطاع أو يستطيع، اذا تجول في بلاده أو زار أي بلد شيوعي، أن يستقطب اليه عشرات الملايين من أتباعه، كما استقطب البابا المؤمنين في بولونيا، وبعفوية وفرح وحماس ومحبة وحرية لم يحظ بها أي زعيم شيوعي في التاريخ.

رابعا: بعض ما قلته في الردين السابقين ينطبق هنا أيضا ًً على الزعم أن الشيوعية يمكنها القضاء على الأقليات الدينية أو المذهبية. لهذه الأسباب أستنتج، هنا أيضا ً، أن القضاء على ظاهرة الأقليات، خصوصا ً الأقليات الدينية أو المذهبية، بالانضواء تحت الشيوعية الالحادية الدولية، عبث الحصول، عديم الامكان.

د- الماركسية: يقولون: تمركس، حتى لو لم تنضو تحت لواء الشيوعية الدولية ألبروليتارية الأممية، تفز بالقضاء على مشكلة الأقليات. تبن الالحاد الماركسي كسياسة حكومية رسمية، حارب الايمان بالتربية وشتى وسائل الايحاء والتأثير، ثم، بعد الغاء الرأسمالية والملكية، ومنع كل مبادرة اقتصادية حرة وكل تنافس اقتصادي حر، وبعد تأميم جميع وسائل الانتاج، انكب على تنمية اقتصادك وتطوير صناعتك، وتعميم العدالة المجتمعية، وترسيخ الأجيال الطالعة في الايمان بأن الجنة الموعودة هي هنا على هذه الأرض، وليس في مكان بعدي وهمي آخر اسمه السماء، وحول أنظار المجتمع وطاقته وجهده كله الى أحداث هذه الجنة الأرضية، افعل كل هذا، عندئذ، بانهماك الأقليات الدائب بالخلق المادي والثقافي والحضاري، تنس أنها أقليات فتنصهر مع الزمن، ومن تلقاء نفسها، في بوتقة مجتمع موحد، نابض بالحياة، طافح بفرح الانتاج مشع بأمل التحقيق.

أما ردي على هذا القول فهو:

أولا: لا غبار اطلاقا ً على انماء الاقتصادي واشاعة العدالة المجتمعية وتحقيق الرخاء والأمن على هذه الأرض. التساؤل فقط هو حول هل يتحقق كل هذا بالسبيل الماركسي القاضي على الملكية والرأسمالية والاقتصاد الحر، وحتى اذا تحقق بالمبادىء والأساليب الماركسية على حساب الحريات الفكرية والعقائدية الشخصية، والقيم الحضارية والروحية المتوارثة، فهل دفع هذا الثمن شيء محتم، وحتى ان كان محتما ً، فهل هو ثمن مقبول؟

ثانيا ً: ان بعض الملاحظات التي أبديت بشأن الطرق الأخرى لحل مشكلة الأقليات تنطبق هي أيضا ً على الحل الماركسي.

ثالثا ً: من يقرر ما هي القيم التي يطمح الى تحقيقها المجتمع، ومن يقرر نوع الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه القيم، وهل الغاية تبرر الواسطة، أي واسطة، ومن يفصل في هذا الأمر الخطير؟

رابعا : اذا كان الله موجودا، وايماني وايمان كثيرين غيري موجودا ً، فأمل ماركس بأن " الحاده" سيقضي على الايمان بالله، وبالتالي على الأقليات الدينية، وذلك بتوجيه هموم الانسان كلها الى الانتاج المادي والعدالة المجتمعية والخلق الثقافي الأرضي، ان هذا الأمل، أمل لا أمل له بالتوفيق. ان كمال الرخاء والأمن والعدالة لا يمس فساد الانسان الأصلي في شيء، الفساد الممثل بأنانيته، وجشعه، ودسه، ونكايته، وحقده، وحسده، وثرثرته، وبغضه، وكبريائه، وعجرفته، وجبنه، وتفاهته، ونسيانه، وحيوانيته، وانجرافه في اللذة والشهوة، وسفكه الدماء، وقساوة قلبه، وخوفه من الموت. هذا الوضع المأساوي البشري لا يتناوله الا الدين الصحيح، ولأن هذا الوضع هو أهم حقيقة ثابتة عن الانسان، فالدين الصحيح باق بطبيعة الحال، ولا يستطيع لا ماركس ولا الماركسية ولا الالحادية ولا الاكراه أو التوجيه الحكومي ولا العدالة المجتمعية، ولا الرخاء المادي أن يمحوه من الوجود.

خامسا: كارل ماركس ذاته ذاق طعم اضطهاد الأكثرية للأقلية لأنه كان هو عضوا في أقلية. فلعله في نظرته لجأ الى الواحدية المادية - الاقتصادية كي يتخلص هو، بالأمل، من نير الاضطهاد، وذلك بانصهار الأقلية والأكثرية معا ً في هذه الواحدية. هذا الدافع الشخصي الخلفي لا يكفي بطبيعة الحال لاضفاء صفة الصحة والحقيقة على فلسفته. ولذلك قد يكون وضعه، الى حد بعيد، كوضع المسيحيين في هذا المشرق الذين يلجأون الى واحدية القومية أملا ً منهم بأنهم بهذا اللجوء سينعتقون من وصمة كونهم أقلية دينية. من هنا هذه الظاهرة الغريبة (الغريبة في السطح، الواضحة المفهومة تماما ً في العمق )، أن القوميات كلها في الشرق الأوسط تتجذب وتجنح عاجلا ً أو آجلا ً الى الماركسية وتتحد معها. الماركسية والقومية في الشرق الأوسط تبعان من معين كياني واحد: تمرمر الأقليات من ضغط الأكثرية واضطهادها. لهذه الأسباب الخمسة، ولغيرها، أرى أن أمل الماركسية بأنها هي الحل لظاهرة الأقليات هو أمل مصيره الخيبة.

ه- الاكتساحية الدينية: الطريقة الخامسة المقترحة لحل مشكلة الأقليات الدينية هي أن يكتسح دين ما الأديان الأخرى كلها ويخضعها له، اما بوضعها في منزلة ثانوية، أو بتمثله لها في ذاته، وذلك اما بالاقناع، أو، اذا فشل الاقناع، فبالاكراه. والاكراه لا يدوم، لأن سر الحرية أقوى وأدوم وأفعل.

اني أتكلم عن الشرق الأوسط، خصوصاً عن لبنان، ان ردي على هذه الطريقة لحل مشكلة الأقليات، أو، بعبارة أدق، مشكلة التعددية في الثقافات والاديان، هو:

أولا ً : اني لا أتصور أن احدى الديانات الثلاث، اليهودية والمسيحية والاسلام، ستلغي في المستقبل القريب، أو حتى في المستقبل البعيد المدى، أيا ً من الديانتين الاخريين أو ستمتصها. بل على العكس، تصوري هو ان الديانات الثلاث باقية في الشرق الأوسط بعضها مع بعض، اما بالتواجد غير المتفاعل أو بالتواجد المتفاعل ايجابياً، أو سلبيا ً أو تناحريا ً.

ثانيا ً: كل من الديانات الثلاث لها أنصار ومنتمون خارج بنان وخارج الشرق الأوسط، ولا أتصور أن أولئك الانصار والمنتمين سيقفون موقف المتفرج اللامبالي، اذا ما حاولت احدى الديانات الثلاث أن تطغى على احدى الديانتين الأخريين. وثمة حالات في الماضي القريب والبعيد تثبت صحة هذا القول.

ثالثا ً: سر وجود هذه الأديان الثلاثة بعضها مع بعض سر رهيب. كيف يمكن أن تتواجد مطلقات ثلاثة نابعة من أصل واحد، هو ابراهيم! ان هذا لسر يعسر على العقل أن يسبر غوره. لكنها على أي حال موجودة متواجدة في العالم كله، بما في ذلك الشرق الأوسط، بنسب متفاوتة من الفعل والتفاعل. ولأنها جميعا ً تمت آخر الأمر، بشكل أو بآخر، الى الله، فقد يكون الله ذاته، لسبب نجهله، هو الذي يمانع أصلا ً في انصهار الواحدة، أو صهرها، في احدى الديانتين الأخريين.

كلامي كله هنا مبني على نور العقل وحده، غير أن استشفاف هذه الأسرار لا قبل للعقل وحده به. الموضوع موضوع لا هوتي وفي اللاهوت الصحيح يأتي الروح القدس لنجدة العقل المسكين، ونحن هنا لسنا في صدد اللاهوت ولا في صدد الروح القدس.

رابعا ً: ان ما وقع في الفتوحات الاسلامية من اكتساح للمسيحية في الشرق الأوسط وما حدث بالمقابل بعد ئذ من اكتساح المسيحية للاسلام في اسبانيا، ان هاتين الظاهرتين صعب جدا ً تصور امكان تكرارهما في الشرق الأوسط اليوم. لهذه الأسباب الأربعة أستنتج أن طريقة حل ظاهرة الأقليات الدينية، أو، بعبارة أدق، ظاهرة التعددية الدينية بأن يكتسح دين ما من هذه الأديان الثلاثة أحد الدينين الآخرين ويذوبه في ذاته، هي، الى أمد غير قريب، أمر محال.

خلاصة البحث:

ان الطرق الخمس المقترحة لتصفية ظاهرة الأقليات، أعني القومية، والعلمنة، والشيوعية، والماركسية، والاكتساحية التذويبية الدينية، كلها باطلة، ولذلك فالشرق الأوسط، ولبنان، سيبقيان الى ما شاء الله تعدديين في الثقافة والدين.

لبنان: المفهوم والتحديات 

 

 


Panoramic Views | Photos | Ecards | Posters | Map | Directory | Weather | White Pages | Recipes | Lebanon News | Eco Tourism
Phone & Dine | Deals | Hotel Reservation | Events | Movies | Chat |
Wallpapers | Shopping | Forums | TV and Radio | Presentation


Copyright DiscoverLebanon 97 - 2017. All Rights Reserved


Advertise | Terms of use | Credits